*محمد عبد الله ولد بين يكتب:* *الحوار الوطني بين ضرورات الواقع ومخاطر التعطيل*

منذ أن عرف الإنسان الاجتماع البشري، ظل الحوار أرقى وسيلة لتسوية الخلافات وإدارة التباينات وصناعة التوافقات. فالحوار ليس مجرد تبادل للآراء، بل هو آلية حضارية تحول دون انزلاق المجتمعات إلى الصراع، وتمكنها من تحويل الاختلاف من مصدر للتنازع إلى مصدر للإثراء والتكامل.
وفي الدول الحديثة، يكتسب الحوار الوطني أهمية مضاعفة حين يتعلق بقضايا الهوية والعدالة والتمثيل السياسي والتنمية الاقتصادية، لأنها ملفات لا يمكن حسمها بمنطق الغلبة العددية ولا بسلطة الأمر الواقع، وإنما تحتاج إلى قدر من التوافق يضمن الاستقرار ويؤسس لمستقبل مشترك.
واليوم، تجد موريتانيا نفسها أمام فرصة جديدة لإطلاق حوار وطني شامل في ظرفية إقليمية ودولية دقيقة تتسم بالاضطرابات الأمنية والتقلبات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية المتسارعة. وهي ظرفية تجعل الحاجة إلى تعزيز الجبهة الداخلية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
غير أن الجدل الدائر حول جدول أعمال الحوار يثير سؤالا مركزيا: من المسؤول عن تعطيل الحوار؟
خلاف على المفاهيم أم خلاف على الحوار؟
*تقول المعارضة* إن الأغلبية تسعى إلى فرض نقاش “المأموريات”، وتفهم من ذلك محاولة إعادة فتح النقاش حول المأمورية الرئاسية الثالثة، وهو ما تعتبره موضوعا محسوما دستوريا وسياسيا.
*في المقابل،* ترى الأغلبية أن مفهوم المأموريات أوسع من ذلك بكثير، وأنه يشمل مختلف الهيئات والمؤسسات الدستورية التي تخضع لمدد زمنية أو قواعد تنظيمية قد تستدعي المراجعة أو التقييم ضمن إصلاح مؤسسي شامل.
والأمر نفسه ينسحب على ملف الإرث الإنساني؛ إذ تنظر بعض أطراف المعارضة إليه باعتباره مرتبطا أساسا بأحداث 1987 ـ 1991 وما رافقها من انتهاكات مأساوية طالت مواطنين موريتانيين، خاصة داخل المؤسسة العسكرية.
*أما الأغلبية* ومن يدعم طرحها، فيعتبرون أن الإرث الإنساني لا ينبغي أن يختزل في فترة أو فئة بعينها، بل يشمل جميع ضحايا العنف السياسي والانتهاكات الحقوقية التي عرفتها البلاد في مراحل مختلفة، سواء تعلق الأمر بضحايا أحداث 1989 المرتبطة بالأزمة الموريتانية السنغالية، أو ضحايا القمع السياسي من الناصريين في ثمانينيات القرن الماضي، أو البعثيين والإسلاميين وغيرهم ممن تعرضوا للسجن أو التعذيب أو التصفية المعنوية والجسدية.
وهنا يبرز جوهر الإشكال: هل المطلوب حوار يبحث في القضايا الوطنية بمختلف أبعادها، أم حوار يقتصر على الملفات التي يختارها طرف دون غيره؟
*موقف رئيس الجمهورية ومسؤولية الأطراف*
في خضم هذا الجدل، جاء موقف فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليضع قاعدة سياسية مهمة؛ فهو لم يطلب من الأغلبية سحب مقترحاتها، ولم يفرض على المعارضة قبولها، لكنه أكد التزامه الواضح بألا يتبنى أو ينفذ إلا ما يحظى بتوافق المشاركين في الحوار.
وهذا الموقف ينقل النقاش من منطق الإملاء إلى منطق التفاوض، ويجعل مسؤولية نجاح الحوار أو فشله مشتركة بين جميع الأطراف.
فإذا كانت الأغلبية متمسكة بحقها في طرح ما تراه من قضايا، فإن المعارضة متمسكة بحقها في التحفظ على ما لا تراه أولوية. وبين الحقين توجد مساحة واسعة للتفاهم يفترض أن تكون هي ميدان العمل السياسي الرشيد.
هل يوجد معطل للحوار خارج الأغلبية والمعارضة؟
الحقيقة أن مسؤولية التعطيل لا تقع دائما على القوى السياسية الرسمية وحدها.
فثمة أطراف تستثمر في استمرار الاستقطاب لأنها تجد في التوتر السياسي مصدرا للحضور الإعلامي أو المكاسب الفئوية أو التعبئة الأيديولوجية.
كما أن بعض النخب الفكرية والإعلامية تسهم أحيانا، بقصد أو بغير قصد، في تأجيج الخلافات عبر تقديم الملفات الوطنية في صورة صراعات صفرية لا تقبل الحلول الوسط.
ويضاف إلى ذلك تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت فضاء خصبا لنشر الشائعات وإثارة الحساسيات العرقية والجهوية والسياسية، بما يعقد مهمة الباحثين عن التوافق.
*مخاطر تعطيل الحوار*
إن استمرار حالة الشد والجذب حول الحوار لا يمثل مجرد خلاف سياسي عابر، بل يحمل مخاطر متعددة.
*أولا:* المخاطر الشرعية
الإسلام جعل الصلح والإصلاح بين الناس من أعظم القربات، وأمر بالسعي إلى جمع الكلمة ونبذ أسباب الفرقة. وكلما تعذر الحوار واتسعت دائرة الخصومة، ازداد خطر الانقسام والتباغض والتدابر، وهي أمور حذر منها الشرع لما يترتب عليها من إضعاف للأمة والمجتمع.
*ثانيا:* المخاطر السياسية
غياب الحوار يعني استمرار الاحتقان وتراكم الملفات الخلافية دون معالجة، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين الفاعلين السياسيين ويضعف قدرة المؤسسات على إنتاج التوافقات الضرورية للاستقرار.
*ثالثا:* المخاطر الاجتماعية
المجتمع الموريتاني مجتمع متعدد الروافد والانتماءات الثقافية والاجتماعية، وأي تأخر في معالجة القضايا الخلافية عبر الحوار يفتح المجال أمام عودة الخطابات الفئوية والعرقية والجهوية التي تهدد الوحدة الوطنية والسلم الأهلي.
*رابعا:* المخاطر الاقتصادية
لا يمكن فصل الاقتصاد عن المناخ السياسي والاجتماعي. فالاستثمار يحتاج إلى الاستقرار، وبرامج التنمية تحتاج إلى بيئة مطمئنة، والشركاء الدوليون ينظرون دائما إلى درجة التماسك الوطني قبل ضخ الاستثمارات الكبرى.
ومن ثم فإن أي تعثر في مسار الحوار الوطني قد تكون له انعكاسات مباشرة على فرص النمو والتنمية وخلق الوظائف وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.
إن السؤال الحقيقي ليس: من انتصر في معركة العناوين؟ ولا من فرض موضوعه على الآخر؟ بل السؤال الأهم: هل تمتلك النخبة السياسية الشجاعة الكافية لتغليب مصلحة الوطن على الحسابات الظرفية؟
فالحوار ليس تنازلا من طرف لآخر، وإنما تنازل الجميع للوطن. وليس المطلوب أن يتخلى كل فريق عن روايته أو مطالبه، بل أن يعترف بحق الآخرين في أن تكون لهم روايات ومطالب أيضا.
وعندما يدرك الجميع أن الوطن أكبر من الأغلبية والمعارضة معا، وأن المستقبل لا يبنى إلا بالشراكة والتوافق، يصبح الحوار ضرورة وطنية لا خيارا سياسيا، ويغدو تعطيله خسارة للجميع دون استثناء.