الشيخ سعد أبيه ولد الشيخ التراد / تراث خالد وسيرة العظماء من الحوض الشرقي .

وُلد الشيخ سعد بوه ولد الشيخ التراد ولد العباس يوم 27 رجب سنة 1335هـ، الموافق 1917م، بمنطقة كاركور في ضواحي كنكوصه بولاية العصابة، من قبيلة أهل الطالب مختار. ووالدته هي فاطمة بنت عبدي سالم ولد محمد لبات من فخذ الطلابه، من الديميسية السباعية نسبًا.
نشأ الشيخ في بيت علم وصلاح، فوالده هو العلامة العارف بالله الفقيه الشيخ التراد ولد العباس، أحد كبار علماء عصره وأرباب التربية والسلوك. وكان الشيخ سعد بوه أول أبنائه، فسماه باسم عمه وشيخه الشيخ سعد بوه ولد الشيخ محمد فاضل، ليكون قرة عينه وحامل اسمه.
وفي سنة ميلاده كانت حضرة والده في أرگيبة تعيش أوج ازدهارها، وقد ذاع صيتها في البلاد، وأصبحت مقصدًا للعلماء والفقهاء والوجهاء والطلاب من مختلف قبائل موريتانيا، وهو ما وفر له بيئة علمية وروحية استثنائية منذ نعومة أظفاره.
وفي عامه الرابع، ارتحل والده بحضرته ومريديه من العصابة إلى الحوض الشرقي، مرورًا بتكانت والحوض الغربي، فنزل في عدة مناطق، منها موضع مميل غرب دار السلام 7كلم، ثم بسطة شرق تمبدغه35كلم، ثم كومبي جوفي، حتى استقر به المقام بمدينة آگوينيت سنة 1932م، حيث عاش الشيخ سعد بوه بقية حياته، واحتضنت البلدة ضريحه الميمون.
تلقى الشيخ سعد بوه علومه الأولى على يد والده، فحفظ القرآن الكريم ونهل من علوم الشريعة واللغة، كما أخذ العلم عن عدد من كبار المشايخ، منهم:
– والده العلامة الشيخ التراد.
– الشريف مولاي، الذي قرأ عليه القرآن.
– الشيخ أمانة الله ولد الشيخ يربان، ودرس عليه الفقه.
– الشيخ سيداتي ولد محفوظ.
– الشيخ عبد الله ولد داداه.
ولم يقتصر دوره على طلب العلم، بل شارك والده في تدبير شؤون القبيلة والحضرة. وكان الشيخ التراد قد أسس في ثلاثينيات القرن الماضي تجمع أهل الطالب مختار بآگوينيت (الكناش)، الذي ضم مكونات اجتماعية متعددة من مختلف القبائل، إضافة إلى بني عمومته.
وبعد نحو عقد من تأسيس هذا الكيان، تولى الشيخ سعد بوه، بوصفه الابن الأكبر والخليفة، قيادة القبيلة والحضرة، فشهدت في عهده تطورًا ملحوظًا على المستويات العلمية والتربوية والروحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، واتسع إشعاعها ليشمل مناطق ومجتمعات جديدة، وظلت مجالسه عامرة بالعلم والتربية والإصلاح والإرشاد.
وقد عُرف الشيخ سعد بوه بخصال قلَّ أن تجتمع في رجل؛ فكان جامعًا بين الشريعة والحقيقة، شديد التمسك بالسنة، وقافًا عند حدود الشرع، متواضعًا لا يرى لنفسه فضلًا على أحد، رغم ما حظي به من منزلة كبيرة في قلوب الناس.
كما عُرف برجاحة العقل، وبعد النظر، وروح التجديد، وكان من أوائل من أدركوا أهمية التعليم النظامي، فشجع عليه، وأقنع الناس بضرورته، وأسَّس مدرسة آگوينيت سنة 1952م، إيمانًا منه بأن العلم أساس نهضة المجتمع.
وكان كذلك مرجعًا في إصلاح ذات البين، تلجأ إليه القبائل والوجهاء للفصل في النزاعات، فيرضون بحكمه ويباركون رأيه. واشتهر أيضًا بالسخاء والكرم وإكرام الضيف، حتى لقبه أهل الحوض بـ “صاحب العيش البارد” لكثرة عطائه وحسن ضيافته.
ولم يترك الشيخ مؤلفات مكتوبة كثيرة، إذ انصرف إلى صناعة الرجال أكثر من صناعة الكتب، فتخرج على يديه عدد كبير من العلماء والمربين الذين أسسوا حضرات وزوايا علمية وروحية انتشر أثرها في مختلف أنحاء البلاد.
وقد أثنى عليه العلماء والأدباء، وجُمعت في مدحه قصائد عديدة، ومن أجملها قصيدة الشيخ محمد ولد بيدر ولد الإمام الجكني، التي اختزلت جانبًا من مناقبه، يقول فيها:
ألا إنَّ ليلَ الأرضِ طالعهُ سعدُ
إذا حلَّها سعدٌ فيا حبَّذا السعدُ
لإصلاحِ ذاتِ البينِ يسعى بنفسِه وفي رأيهِ التهذيبُ والنصحُ والرشدُ
وجانبُهُ للهِ لا يرتقى لهُ وللناسِ منهُ البشرُ والقربُ والودُّ
حليمٌ أمينٌ لا يُخادعُ لحظةً
صبورٌ على الأشياءِ ما إنْ لهُ ند
يجدُّ مدى العصرينِ في طلبِ العُلا يسوسُ الورى والجودُ خامرَهُ الزهدُ
تحلَّتْ بهِ الأكوانُ مذ لاحَ سعدُهُ وطابتْ بهِ نفسٌ وصحَّ بهِ القصدُ
وإني إليهِ بالتلمذ سائرٌ أريدُ بهِ السيرَ الذي ما لهُ حدُّ
لعلي بهِ أحظى شفاعةَ جدِّهِ عليهِ صلاةُ اللهِ ما طلعَ السعدُ.
ورُزق الشيخ سعد بوه عددًا من الأبناء والبنات، ومن أبرزهم المرحوم الشيخ حمه، عضو مجلس الشيوخ (سيناتور) عن مدينة النعمة، والشيخ سليمان، عمدة بلدية آگوينيت
وخليفته الآن الشيخ القطب
وفي الثاني عشر من شعبان سنة 1412هـ، الموافق 15 فبراير 1992م، انتقل الشيخ سعد بوه ولد الشيخ التراد إلى جوار ربه،
فرثاه الكثير من العلماء وأهل الفضل إختصرنا على
رثاء ابن عمه شيخنا ولد محمد ولد الديه بقصيدة طويلة تحمل الثناء وعظمة المصاب أخذنا جزء يسيرا منها:
دعِ الدهرَ لا يُحزنْكَ إن خانك الدهرُ
ففي طبعه لؤم وفي طيه غدر
يحاربُ أهلَ الخيرِ طولَ حياتِهم
ويقصيهم كي لا يدوم لنا خير
فبينا وربُّ الدهرِ يُغمض جَفْنَهُ
ويوهمنا أمنا وباطنه شر
إذا بدموعِ الجوِّ تقطرُ أنَّهُ
يبيتنا غدرا ويخفي لنا أمر
وأصبحَ وجهُ الجوِّ والأرضُ مُرْبِدًا
تسابقنا للحزن أرجاءه الحمر
فجاءتْ رياحُ الشرِّ تحملُ رزءنا
و طارت قلوب الخلق وأنحسر الصبر
إلى ان يقول
لما جاء هذا الأمر للشيخ سعدنا
ولكن أمر الله ما بعده أمر
تقي نقي ماعصى الله ساعة
فأخلاقه شرع وأعماله بر
فياربنا طيب ثراء ثوى به
فتغمره الأنوار إذ وسع القبر
وأنزل لنا سحبا من اللطف بعده
تعم بها الخيرات والشر يزور.
وبعد حياةٍ زاخرةٍ بالعلم، والدعوة، والتربية، والإصلاح، وخدمة المجتمع، رحل الشيخ سعد بوه وقد خلّف إرثًا علميًا وتربويًا وروحيًا سيظل منارةً للأجيال، وشاهدًا على ما بذله من عطاء في خدمة الدين والوطن والمسلمين.
السلام على روح الشيخ سعد بوه في العالمين وبارك في عقبه إلى يوم الدين.
من صفحة انواودار