محمد عبد الله ولد بين يكتب :* عندما يهبط الخطاب السياسي:* *هل تفقد الساحة الموريتانية لغتها الرصينة؟

لم يكن الخطاب السياسي في موريتانيا، عبر تاريخها الحديث، خاليًا من الاختلاف الحاد أو النقد القاسي، لكنه ظل في أغلب مراحله محافظًا على قدر من الوقار والاتزان، حتى في أشد لحظات الاحتقان السياسي.

غير أن ما شهدته الساحة السياسية خلال الفترة الأخيرة من تداول لعبارة «فظمة» وما ارتبط بها من سجالات، يطرح سؤالًا أعمق من مجرد الخلاف حول كلمة بعينها: هل نحن أمام انحدار في مستوى الخطاب السياسي، أم أمام محاولة لتطبيع لغة جديدة لا تنسجم مع تقاليد النقاش الوطني وأخلاقياته؟
الكلمة التي تجاوزت حدود المناسبة
لقد تحولت عبارة «فظمة» إلى موضوع للنقاش العام بعد أن صدرت في سياق سياسي حساس عن بعض المنتخبين المنتمين إلى حركة «إيرا»، ومنهم النائبتان مريم الشيخ وقامو عاشور، ثم أعاد تداولها النائب بيرام الداه اعبيد في سياق أثار مزيدًا من الجدل.
وبغض النظر عن الموقف السياسي من أصحاب التصريحات، فإن القضية لم تعد مجرد اختلاف في الرأي أو اعتراض على قرار سياسي، بل أصبحت مرتبطة بطبيعة اللغة المستخدمة في المجال العام، وبالحدود الفاصلة بين النقد المشروع والإساءة إلى المقامات والمؤسسات.
*من النقد السياسي إلى الابتذال اللفظي*
الديمقراطية لا تقوم على المجاملة، ولا تزدهر في ظل الصمت، بل تحتاج إلى نقد صريح وجريء. غير أن النقد يفقد قيمته عندما يتحول إلى لغة سوقية، أو إلى تعبيرات لا تخاطب العقل بقدر ما تستفز المشاعر والخطورة في مثل هذه العبارات أنها لا تسيء فقط إلى الشخص المستهدف، بل تسهم في خفض سقف النقاش السياسي كله. فعندما تصبح الألفاظ الخشنة أو المبتذلة جزءًا من التداول اليومي، فإنها تجر معها مستوى الحوار، وتدفع الفاعلين السياسيين والجمهور إلى التنافس في الحدة بدل التنافس في الحجة.

*هيبة المؤسسات ليست شأنًا شخصيًا*
إن رئيس الجمهورية، في أي نظام سياسي، لا يمثل شخصه فقط، بل يمثل مؤسسة دستورية ورمزًا للدولة. ومن حق أي مواطن أو نائب أو حزب سياسي أن ينتقد السياسات والقرارات، وأن يعارضها بأشد العبارات السياسية وضوحًا، لكن ذلك لا يبرر استخدام لغة قد تُفهم على أنها انتقاص من هيبة المؤسسة أو خروج عن حدود اللياقة العامة.
فالفرق كبير بين معارضة القرار، ومعارضة الشخص بلغة تمس المقام أو تستخف بالرمزية الوطنية.

*الخصوصية الموريتانية.وقيم الاحترام*
تتميز الثقافة الموريتانية، في عمقها الاجتماعي، بتقدير
الكبير واحترام المقامات، سواء في الأسرة أو القبيلة أو المجال العام. وهذه القيم ليست مجرد أعراف تقليدية، بل هي جزء من التوازن الأخلاقي الذي حافظ على قدر من الاحترام المتبادل حتى في أوقات الخصومة السياسية.
ومن هنا فإن استسهال العبارات الجارحة أو الساخرة على هذا النحو يثير قلقًا مشروعًا، لأنه يوحي بأن الخطاب السياسي بدأ ينفصل عن البيئة الثقافية التي نشأ فيها، ويتجه نحو نمط من التعبير لا يراعي الذوق الوطني ولا الحس الجماعي للمجتمع.
*هل نحن أمام إعادة تأسيس للخطاب السياسي؟*
السؤال الحقيقي ليس: من قال الكلمة؟ بل: أي خطاب نريد أن يسود في موريتانيا؟
إذا أصبح السبق الإعلامي مرتبطًا بالعبارة الأكثر صدمة، وإذا تحولت المنصات السياسية إلى ساحات لتبادل الإهانات والنعوت، فإننا نكون أمام إعادة تأسيس غير معلنة لخطاب سياسي يقوم على الإثارة بدل الإقناع، وعلى الاستفزاز بدل الحجاج.

وهذا التحول لا يهدد صورة السياسيين فحسب، بل يهدد أيضًا ثقة المواطنين في العمل السياسي نفسه. فالأجيال الجديدة التي تتابع هذا السجال قد تظن أن السياسة ليست مجالًا للأفكار والبرامج، بل مجالًا للمهاترات والعبارات الصادمة.
*حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية*
لا أحد يدعو إلى تكميم الأفواه أو مصادرة حرية التعبير، فهذه الحرية من أهم مكاسب الحياة الديمقراطية. لكن الحرية لا تعني غياب المسؤولية، كما أن الجرأة لا تعني التخلي عن الأدب.
فالخطاب السياسي الراقي هو الذي يجمع بين قوة الموقف ونظافة العبارة، وبين وضوح النقد واحترام المخاطَب، مهما كان الخلاف معه.
*الحاجة إلى استعادة الرصانة*
الرصانة
إن الجدل حول «فظمة» ينبغي ألا يُختزل في الدفاع عن طرف أو مهاجمة طرف آخر، بل يجب أن يكون مناسبة لمراجعة أعمق لمسار الخطاب السياسي في موريتانيا.
فإذا كنا نريد ديمقراطية حقيقية، فإنها لا تُبنى فقط بتعدد الأحزاب والآراء، بل تُبنى أيضًا بلغة تحترم العقل، وتحفظ هيبة المؤسسات، وتنسجم مع قيم المجتمع وثقافته.
إن الاختلاف السياسي أمر طبيعي، بل ضروري، لكن تحويله إلى إساءة لفظية أو ابتذال في التعبير هو خسارة للجميع. والأوطان لا ترتقي بالصراخ، بل ترتقي بالحوار المسؤول، والنقد الرصين، والاحترام المتبادل.
ولعل اللحظة الراهنة تفرض على جميع الفاعلين السياسيين، موالاة ومعارضة، أن يتساءلوا بصدق: هل نريد أن نورث الأجيال القادمة خطابًا يرفع من شأن السياسة، أم خطابًا يهبط بها إلى مستوى لا يليق بتاريخ موريتانيا ولا بذوقها الوطني؟

زر الذهاب إلى الأعلى