*محمد عبد الله ولد بين يكتب :* *بين حق النقد وحرمة الإساءة: دفاع عن مقام العلماء وهيبة المجتمع*

في خضمّ السجالات الفكرية والسياسية التي تعرفها الساحة الوطنية هذه الأيام، يطفو على السطح سؤال بالغ الحساسية: أين ينتهي حق النقد، وأين تبدأ جريمة التنقيص من العلماء والدعاة ورموز الأمة؟
إن المجتمع الذي يفقد القدرة على التمييز بين النقد المسؤول والشتيمة المنفلتة، مجتمع يغامر بتقويض منظومته الأخلاقية والرمزية، ويفتح الباب أمام الفوضى الفكرية والانهيار القيمي. ولذلك، فإن ما صدر في الآونة الأخيرة من بعض الأصوات المحسوبة على النخبة الثقافية والحقوقية، وفي مقدمتها المحاميان محمد ولد أمين وسيد المختار، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد اختلاف في الرأي، بل تجاوز في كثير من الأحيان إلى خطاب تجريح وتنقيص وإساءة لا تليق بمقام العلماء ولا بمستوى النقاش الوطني الرصين.
ولكي يكون الكلام منصفا وواضحا، فإن الدفاع عن العلماء والدعاة لا يعني ادعاء عصمتهم، فالعصمة ليست إلا للأنبياء. ومن حق أي مثقف أو سياسي أو ناشط أن يناقش مواقف العلماء واجتهاداتهم، وأن ينتقد أداءهم أو اختياراتهم السياسية أو الفكرية، في حدود الأدب والمسؤولية واحترام المقامات. وهذا ما درجت عليه الأمة عبر تاريخها، حيث كان العلماء يُناقشون ويُراجعون ويُخالفون، دون أن يتحول الخلاف إلى سبّ أو قدح أو تشهير.
إن العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو، والمجاهد محفوظ بما لهما من مكانة علمية ودعوية داخل موريتانيا وخارجها، ليسا فوق النقد، لكنهما أيضا ليسا هدفا مباحا للإهانة والتجريح وسقط العبارات. فالرجلان أفنىا عمريهما في التعليم والدعوة وخدمة قضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين التي ظلت حاضرة في خطابهما ومواقفهما وتحركاتهما. ومن الظلم البيّن أن تتحول المبادرات التضامنية مع أهل غزة، وجمع التبرعات لهم، إلى مناسبة للطعن في النيات وتوزيع الاتهامات والتشكيك في الذمم دون بينة ولا مسؤولية.
إن الأصل الشرعي والأخلاقي هو حمل أفعال المسلمين على الخير ما أمكن، خاصة حين يتعلق الأمر بمبادرات إنسانية وجهاد بالمال لصالح شعب يتعرض للإبادة والحصار والتجويع. وإذا كان هناك سؤال أو تحفظ أو مطالبة بالشفافية، فذلك حق مشروع، لكن بأسلوب محترم ومسؤول، لا بمنطق التشهير والتحريض وإسقاط الهيبة عن العلماء والدعاة والمجاهدين.
وليس من المقبول أن يحتكر بعض المثقفين الحديث باسم غزة أو باسم الشعب الموريتاني، وكأنهم وحدهم يملكون حق تحديد من يخدم القضية ومن يسيء إليها. فالموريتانيون، بمختلف توجهاتهم، كانوا دائما شعبا سخيا مع فلسطين، متفاعلا مع مآسي الأمة، ولم يكونوا بحاجة إلى أوصياء يزايدون عليهم في الوطنية أو الإنسانية.
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له المجتمعات ليس فقط الفقر الاقتصادي أو التوتر السياسي، بل انهيار المرجعيات المعنوية وتحطيم القدوات. ولذلك صدقت الحكمة القائلة: “إذا أردت أن تهدم مجتمعا فابدأ بهدم رموزه وقدواته”. فحين يصبح العالم والداعية والمصلح هدفا دائما للسخرية والتشويه والسباب، فإن النتيجة الحتمية هي شيوع العبثية وفقدان الثقة في كل القيم الجامعة.
ومن المؤسف أن تصدر بعض العبارات الجارحة والبذيئة من شخصيات يفترض أنها تمثل النخبة القانونية والثقافية، لأن النخبة الحقيقية ترتفع باللغة، وتنتصر للحجة، وتلتزم أخلاق الاختلاف، لا أن تنحدر إلى خطاب الغضب والتشفي والإهانة.
إن حرية التعبير قيمة أساسية، لكنها ليست ترخيصا بالفجور في الخصومة، ولا مبررا لانتهاك أعراض الناس، فكيف إذا تعلق الأمر بعلماء عُرفوا بخدمة الدين وتعليم الناس والدفاع عن قضايا الأمة؟ وقد قرر الشرع حرمة أعراض المسلمين عموما، وجعل للمؤمن حرمة عظيمة، قال تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “سباب المسلم فسوق”.
وإذا كان من حق المحامين محمد ولد أمين وسيد المختار أن يختلفا مع العلماء أو ينتقدا أداء بعض الهيئات أو المبادرات، فإن من واجبهما أيضا أن يلتزما بحدود المسؤولية الأخلاقية واللغوية، وأن يدركا أن مكانتهما الاجتماعية والمهنية تفرض عليهما ترشيد الخطاب لا تأجيج الفتن الرمزية داخل المجتمع.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى خطاب يعزز وحدة المجتمع، ويحفظ مكانة علمائه ومثقفيه، ويؤسس لاختلاف محترم يثري النقاش الوطني بدل أن يحوله إلى معارك شخصية ومهرجانات للتجريح والإساءة.
وفي الأخير، فإن الدفاع عن العلماء ليس دفاعا عن أشخاص بقدر ما هو دفاع عن قيمة العلم وهيبة المرجعية الأخلاقية في المجتمع، كما أن النقد المسؤول يبقى حقا مشروعا، بل ضرورة صحية، ما دام ملتزما بأدب الحوار وميزان الإنصاف.
أما الشتيمة والتنقيص وسقط القول، فليست شجاعة فكرية، ولا بطولة حقوقية، وإنما انحدار باللغة والنقاش إلى مستوى لا يليق بموريتانيا ولا بنخبتها ولا بتاريخها العلمي والدعوي.