محمد عبد الله ولد بين يكتب عن:*   *الكيطنة… حين تكتب النخلة أجمل قصائد الوطن* 

ليست الكيطنة موسمًا للثمار فحسب، بل هي فصل من فصول الجمال، وعرسٌ سنوي تتزين فيه الواحات بأبهى حللها، وتستعيد فيه الروح صلتها الأولى بالأرض، وتتصالح النفس مع إيقاع الحياة الهادئ بعد أن أرهقتها المدن بضجيجها، واستنزفتها الأيام برتابتها.

فإذا أقبلت الكيطنة، خرجت النخيل من صمتها الوقور، وارتدت ثياب البهجة، وأرسلت أكمامها الخضراء في الفضاء كأنها أيدٍ ممدودة لاستقبال الضيوف، ثم ما تلبث العراجين أن تتدلى في مهابة وجلال، مثقلة بما حملت من خير، حتى تبدو للناظر كقلائد من الذهب والياقوت، علقتها الطبيعة على جيد الواحات احتفالًا بموسم العطاء.

وليس البلح في هذا الموسم ثمرةً واحدة، وإنما هو عالم من النكهات والألوان. فهذا بلح ما يزال غضًّا، يقرع أبواب النضج في رفق، وذاك رطبٌ رقَّ لحمه، وسالت حلاوته حتى كادت تذوب بين الأصابع، وثالث تمرٌ اكتملت حكمته، فصار زادًا للصحة، ومصدرًا للطاقة، وخلاصة رحلة طويلة بين شمس النهار وندى السحر. ولكل صنف مذاقه، ولكل نخلة سرها الذي لا يشبه سواها.

غير أن النفس، مهما أولعت بحلاوة البلح والرطب، لا تلبث أن تشتاق إلى ما يعيد إليها توازن المذاق، فتجتمع المجالس حول اللحم الطازج، ويشتد النهم إلى تذوقه، ثم تتعاقب كؤوس الكاوية، ذلك المرق الساخن الذي تتكثف فيه نكهة اللحم، فينساب في الجسد دفئًا، وفي النفس راحة، ويجلي ملل الإفراط في تناول الرطب والبلح، حتى يغدو ارتشافه طقسًا أصيلًا من طقوس الكيطنة، لا يكتمل جمال الموسم إلا به.

ولعل أجمل ما في الكيطنة أنها لا تمنح الجسد غذاءه فحسب، بل تمنح الروح غذاءها أيضًا. ففي ظلال النخيل راحة للأعصاب، وفي هواء الواحات شفاء من اختناق المدن، وفي صفاء الليالي ما يغسل القلب من عناء الأيام، حتى يشعر المرء أنه وُلد من جديد.

ولست أكتب هذا الحديث اعتمادًا على الروايات، ولا استنادًا إلى أوصاف الآخرين، وإنما أكتبه وأنا أعيش الكيطنة بكل تفاصيلها، وأتنفس عبيرها مع كل صباح. فقد كنت، وما زلت، ممن استهوتهم الكيطنة في واحات تكانت، ولا سيما في تامورت انعاج وأنبيكة، حاضرة البلدية الوادعة. وما أروع أن تستقبلك كل صباح عابرات الصحراء، وهي تمخر عباب الرمال محملةً بـ”التكلاع”، معبأً في أكياس، أو محمولًا على أغصانه، تتدلى منه العراجين كما لو أنها تحمل إليك سلام النخيل ورسائل الواحات. هناك لا يكون الصباح مجرد بداية ليوم جديد، بل يكون ميلادًا متجددًا للبهجة، واحتفالًا يوميًا بعطاء الأرض، حتى يخيل إليك أن الزمن نفسه قد تباطأ ليمنحك فرصة أطول للاستمتاع بكل هذا الجمال.

وللكيطنة فضل آخر قد لا يلتفت إليه كثيرون؛ فهي من أرقى صور السياحة الداخلية، لأنها تجمع بين متعة السفر، وفوائد الغذاء الطبيعي، وصفاء البيئة، ودفء العلاقات الاجتماعية. ففيها يلتقي الأهل والأصدقاء، وتتجدد الأرحام، وتُروى الحكايات، وتصدح المجالس بالشعر والأدب، فيتحول الاستجمام إلى ثقافة، والراحة إلى أسلوب حياة.

ولعل من المفارقات أن يقطع بعض الناس آلاف الكيلومترات بحثًا عن السكينة، بينما هي تنتظرهم في واحات وطنهم، تحت ظلال نخلة، وعلى ضفاف التامورت، وبين عراجين تتدلى بالخير، وكؤوس كاوية تفوح منها رائحة الكرم.

إن الكيطنة ليست مجرد إجازة موسمية، بل هي دعوة مفتوحة إلى العودة إلى الذات، وإلى اكتشاف الوطن من الداخل، وإلى الإيمان بأن السياحة الحقيقية ليست في كثرة ما نبتعد عن أوطاننا، وإنما في قدرتنا على اكتشاف كنوزها التي طالما كانت أقرب إلينا من حبل الوريد.

فمن أراد راحة البدن، وصفاء النفس، ورقي الذوق، وسحر الطبيعة، ودفء اللقاء، فليجعل من الكيطنة وجهته. فهناك، بين أكمام النخيل، وتحت العراجين المتدلية، وعلى موائد البلح والرطب والتمر، وبين رشفات الكاوية الساخنة، يكتشف الإنسان أن أجمل الرحلات ليست تلك التي تعبر البحار، وإنما تلك التي تقوده إلى قلب وطنه.

.

زر الذهاب إلى الأعلى