*محمد عبد الله ولد بين يكتب:*   *السيادة المالية بين منطق الدولة وخطاب المرارة السياسية* 

حين يصف وزير سابق مصطلح “السيادة المالية” بأنه “مناورة ديماغوجية لا تحترم عقول الناس”، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل فهم الرجل مضمون الخطاب الحكومي؟ بل أيضا: هل ما صدر عنه مساهمة في النقاش العمومي أم مجرد انفعال سياسي متأخر؟

 

ذلك أن السيادة المالية ليست شعارا عاطفيا اخترعته حكومة موريتانية لتسويق خطاب سياسي عابر، وإنما مفهوم اقتصادي وسيادي متداول في الأدبيات المالية الدولية، ويعني قدرة الدولة على التحكم في خياراتها الاقتصادية، وتقليص ارتهانها للمديونية الخارجية، وتوسيع هامش قرارها الوطني في مجالات الإنفاق والاستثمار والجباية والتخطيط.

 

وقد كان معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي واضحا حين قدم بالأرقام والمعطيات مؤشرات التحسن في تعبئة الموارد الداخلية، وترشيد النفقات، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز احتياطات الدولة، وتوجيه الإنفاق نحو الأولويات الاجتماعية والتنموية. وهي معطيات لم يرد عليها الوزير السابق بأرقام مضادة، ولا بتفنيد علمي، بل اختار القفز مباشرة إلى توصيف سياسي انفعالي من قبيل “الديماغوجية”، وكأن الأرقام نفسها أصبحت تهمة.

 

إن أخطر ما في بعض الخطابات السياسية أنها تحاول إقناع الناس بأن كل حديث عن الاستقلال الاقتصادي مجرد وهم، بينما الحقيقة أن كل الدول التي حققت نهضتها بدأت أولا بتعزيز سيادتها المالية، لأن القرار السياسي المستقل لا يمكن أن يقوم على اقتصاد مرتهن بالكامل.

 

ثم إن من المفارقات اللافتة أن يصدر هذا التشكيك من شخص تقلد مسؤوليات حكومية عليا، وكان جزءا من مراحل لم تعرف فيها البلاد هذا المستوى من الصراحة في عرض المؤشرات الاقتصادية للرأي العام. فهل كان مفهوم السيادة المالية حينها غائبا عن القواميس الاقتصادية، أم أن المشكلة اليوم ليست في المصطلح بل في من يتحدث به؟

 

إن النقد الجاد مرحب به، بل مطلوب، لكن تحويل النقاش الاقتصادي إلى سخرية سياسية لا يخدم تنوير الرأي العام. فالمواطن لا يحتاج إلى أوصاف غاضبة بقدر ما يحتاج إلى تحليل علمي يشرح له أين نجحت السياسات وأين أخفقت.

 

أما الاستخفاف بمفهوم السيادة المالية، فهو في جوهره استخفاف بحق الدولة في بناء اقتصاد أقل تبعية وأكثر قدرة على حماية القرار الوطني.

 

ومن حق المتابع أن يتساءل: هل نحن أمام قراءة اقتصادية موضوعية، أم أمام ردة فعل نفسية على مغادرة دائرة القرار؟

 

ذلك سؤال مشروع، لأن الفرق كبير بين رجل دولة يناقش المؤشرات، وسياسي يهاجم المصطلحات فقط لأنها صدرت عن خصومه.

 

لقد اختار الوزير الأول لغة الأرقام، بينما اختار خصومه لغة الانفعال. وبين اللغتين، يدرك الرأي العام أيهما أقرب إلى عقل الدولة، وأيهما أقرب إلى ضجيج السياسة.

زر الذهاب إلى الأعلى