*محمد عبد الله ولد بين يكتب:*   *حين يتحول التضخم إلى شماعة:*  قراءة في مقال “حتى لا تضيع البوصلة”

ليست المشكلة في أن نختلف حول السياسات الاقتصادية، فذلك طبيعي في كل الدول، وإنما المشكلة حين تُستعمل المصطلحات الاقتصادية استعمالا انتقائيا لتسويق موقف سياسي مسبق، أو حين تتحول بعض المفاهيم التقنية إلى أدوات للتهويل وإرباك الرأي العام بدل إنارته.

 

لقد حاول صاحب مقال “حتى لا تضيع البوصلة” أن يمنح نصه طابعا علميا، لكنه وقع منذ البداية في مفارقة جوهرية: فهو يقر بأن الاقتصاد ليس علما صحيحا، ثم يتعامل مع فرضياته واستنتاجاته كما لو كانت قوانين فيزيائية قطعية لا تحتمل النقاش.

 

والحال أن الاقتصاد، وإن استعان بالرياضيات والنماذج، يبقى علما احتماليا تحكمه اعتبارات اجتماعية وسياسية ونفسية وجيوسياسية، ولذلك تختلف مدارس الاقتصاد نفسها في تفسير الظواهر ذاتها وفي وصف العلاج المناسب لها.فالسياسات التي يعتبرها اقتصاديون محفزة للنمو، قد يراها آخرون سببا في الانكماش، وما يُعدّ تضخما خطيرا في مدرسة معينة قد يُعتبر مؤشرا صحيا في مدرسة أخرى.

ومن هنا فإن تقديم رفع أسعار المحروقات وكأنه السبب الوحيد أو الحتمي للتضخم، تبسيط مخلّ يتجاهل السياق الدولي كاملا:اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات أسعار الطاقة عالميا، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، كلها عوامل ضاغطة حتى على الاقتصادات الكبرى، فكيف باقتصاد ناشئ محدود الموارد مثل الاقتصاد الموريتاني؟

 

ثم إن الكاتب يقع في تناقض واضح حين يطالب الدولة من جهة بالتوسع في الدعم وتسقيف الأسعار والتدخل الواسع في السوق، ثم يهاجمها من جهة أخرى بسبب العجز والاختلالات المالية وتراجع الاحتياطات.فأي اقتصاد في العالم يستطيع الجمع بين تخفيض الإيرادات الجبائية، وزيادة الإنفاق، والحفاظ في الوقت نفسه على التوازنات الكبرى دون كلفة؟

 

إن الدولة ليست مؤسسة خيرية، كما أنها ليست شركة ربحية صرفة، بل هي كيان مسؤول عن تحقيق توازن دقيق بين الحماية الاجتماعية واستدامة المالية العمومية.وأخطر ما يمكن أن تواجهه دولة نامية هو الشعبوية الاقتصادية التي تؤجل الأزمات ولا تعالجها، وتشتري الهدوء المؤقت على حساب الانهيارات المستقبلية.

 

أما الحديث عن “خلق الظروف التحفيزية للمرض”، فهو تعبير إنشائي أكثر منه توصيفا اقتصاديا دقيقا.فالتضخم ليس دائما نتيجة قرار حكومي مباشر، بل قد يكون أحيانا كلفة اضطرارية لتجنب اختلالات أعمق، خصوصا في الدول المستوردة للطاقة.

 

ثم إن الكاتب استعمل بعض المصطلحات الميزانوية بطريقة توحي بخلط واضح بين مفاهيم التسيير والاستثمار والهوامش التجارية والدعم غير المباشر.فالهوامش التجارية في المحروقات ليست مجرد “أرباح سهلة” يمكن حذفها بقرار سياسي، بل تدخل فيها تكاليف النقل والتخزين والتأمين والتوزيع والمخاطر التشغيلية، وأي معالجة ارتجالية لها قد تُربك السوق بدل أن تضبطه.

 

كما أن اختزال النقاش الاقتصادي في ثنائية:”إما حماية القدرة الشرائية أو حماية التوازنات المالية”هو اختزال مضلل، لأن التجارب الدولية أثبتت أن فقدان السيطرة على المالية العمومية يؤدي في النهاية إلى تضخم أشد وقسوة أكبر على الفئات الهشة.

 

أما بخصوص “السيادة المالية”، فإن محاولة السخرية من المصطلح تعكس فهما حرفيا ضيقا للمفهوم.فالمقصود بالسيادة المالية في الأدبيات الحديثة ليس الانغلاق الاقتصادي أو الاستغناء الكامل عن العالم، وإنما قدرة الدولة على امتلاك هامش قرار مستقل في سياساتها النقدية والجبائية والتمويلية، وتقليل ارتهانها للصدمات الخارجية والاشتراطات الأجنبية.

ولا أحد يدعي أن موريتانيا أو غيرها تعيش استقلالا اقتصاديا مطلقا، لكن الفرق كبير بين دولة تسعى إلى توسيع هامش استقلال قرارها، ودولة تستسلم بالكامل لمنطق التبعية والعجز البنيوي.

 

ثم إن اللافت في المقال أنه يحاكم الحكومة الحالية بأدوات كان صاحب المقال نفسه جزءا من السلطة التي كرست بعضها لسنوات طويلة.فكيف يتحول الصمت عن اختلالات الأمس إلى يقظة اقتصادية مفاجئة اليوم؟وكيف يصبح التنديد بالمركزية فضيلة بعد ممارستها لسنوات؟وكيف تُكتشف فجأة هشاشة البنى التخزينية بعد مغادرة مواقع القرار؟

إن النقد الجاد مطلوب، بل ضروري، لكن النقد يفقد كثيرا من قيمته حين يتحول إلى انتقائية سياسية، أو حين تُستعمل الأرقام لإنتاج الانطباع لا لبناء الحقيقة.

 

لقد احتاج البلد دائما إلى نقاش اقتصادي رصين، لا إلى صناعة الذعر، ولا إلى تصوير كل إجراء اقتصادي صعب وكأنه مؤامرة على المواطن.

 

فالاقتصاد ليس خطابة، كما أنه ليس مجرد معادلات جامدة، بل هو فن إدارة الممكن تحت ضغط الواقع، وتوازن المصالح، وحدود الموارد.

ومن الإنصاف كذلك، بعيدا عن التشنج السياسي، الاعتراف بأن ما طرحه الوزير الأول المختار ولد اجاي في تدويناته لم يكن مجرد تبرير ظرفي لإجراءات حكومية، بل تضمن إشارات مهمة إلى إشكالات بنيوية ظلت مؤجلة لعقود، وفي مقدمتها ضعف البنية التخزينية للمحروقات، وهشاشة الاعتماد المفرط على الخارج، وضرورة تعزيز قدرة الدولة على التدخل وقت الأزمات.كما أن الحديث عن المشاريع الكبرى الممولة ذاتيا، وعن توسيع الاستثمار العمومي، وعن السعي إلى رفع مستوى الجاهزية الاقتصادية، يعكس توجها يرمي إلى الانتقال من منطق التسيير اليومي للأزمات إلى بناء أدوات سيادية للتخفيف من آثار الصدمات الدولية.

وقد يكون من المشروع الاختلاف حول بعض الخيارات أو توقيتها أو آثارها الاجتماعية، لكن من غير الموضوعي تجاهل أن الدولة، خلال السنوات الأخيرة، أطلقت أكبر موجة استثمارات بنيوية عرفتها البلاد منذ عقود، سواء في البنى التحتية أو الطرق أو شبكات المياه والكهرباء أو برامج الحماية الاجتماعية، وهي جهود لا يمكن فصلها عن رؤية أشمل تسعى إلى تحديث الاقتصاد الوطني وتعزيز مناعته تدريجيا.

إن النقاش الجاد لا ينبغي أن يتحول إلى نفي مطلق أو شيطنة لأي مقاربة مخالفة، بل إلى بحث عقلاني عن أفضل السبل للتوفيق بين متطلبات الاستقرار المالي وحماية القدرة الشرائية وتحقيق التنمية المستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى