حين تتحول السنغال إلى شماعة:/”قراءة نقدية في مقال إسماعيل محمد خيرات”/ محمد عبد الله بين

ليس من الوطنية أن نجلد ذواتنا كل صباح، ولا من الموضوعية أن نحول تجارب الدول إلى مادة انتقائية لتصفية الحسابات السياسية الداخلية.
لقد كتب الأستاذ إسماعيل محمد خيرات مقالًا حاول فيه تصوير الوزير الأول الموريتاني المختار ولد أجاي في موقع “المستسلم” لوصفات صندوق النقد الدولي، مقابل تقديم عثمان سونكو في صورة “البطل السيادي” الذي رفض تلك الوصفات دفاعًا عن شعبه وكرامته الوطنية.
غير أن المشكلة في هذا الطرح ليست في حق الكاتب في النقد، فالنقد مشروع وضروري، وإنما في طريقة بناء الرواية نفسها، لأنها قامت على انتقاء الوقائع، وإخفاء أخرى، والقفز فوق الفوارق الجوهرية بين التجربتين الموريتانية والسنغالية.
*أولًا:* ما قيل عن خلاف سونكو والرئيس السنغالي ليس حقيقة مكتملة
الأستاذ إسماعيل قدم للرأي العام رواية شبه درامية عن “مواجهة سيادية” بين عثمان سونكو والرئيس باسيرو جوماي فاي بسبب صندوق النقد الدولي، وكأن الرجل خرج من الحكومة لأنه رفض “إهانة وطنية”.
لكن الإعلام السنغالي نفسه، بمختلف اتجاهاته، تحدث عن تعقيدات سياسية ومؤسساتية أعمق بكثير، تتعلق بطبيعة توزيع الصلاحيات داخل السلطة الجديدة، وبالصراع حول إدارة المرحلة الانتقالية، وبالضغوط الاقتصادية، وبالتوازنات الحزبية والإدارية، وليس فقط برفض برنامج تقشفي.
بل إن الحكومة السنغالية نفسها لم تنسحب من المؤسسات المالية الدولية، ولم تعلن حربًا على صندوق النقد، ولم تقدم نموذجًا اقتصاديًا بديلاً مكتملًا، وإنما دخلت في مفاوضات صعبة فرضتها أزمة ديون خانقة، وعجز مالي ثقيل، واختلالات متراكمة منذ سنوات.
إذن تحويل المشهد السنغالي إلى مسرحية “بطل قومي ضد صندوق النقد” تبسيط سياسي مخلّ، لا ينسجم مع تعقيدات الواقع.
*ثانيًا:* كيف يصبح الكاتب خبيرًا في تفاصيل السنغال… وجاهلًا بما يجري في بلده؟
من أغرب ما في المقال أن صاحبه يتحدث بثقة تكاد تكون مطلقة عن كواليس داكار، وعن تفاصيل اجتماعات الرئاسة السنغالية، وعن أسباب الخلافات داخل السلطة هناك، ثم يعود ليقول عن بلده: “لا ندري”.
لا ندري إن كان هناك نقاش. لا ندري إن كانت هناك ديون مخفية. لا ندري ماذا يجري داخل المؤسسات.
وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يتحول الظن في الخارج إلى يقين، بينما يتحول كل ما يتعلق بالداخل إلى شك وارتياب؟
إن هذا المنهج لا ينتج تحليلًا، بل يصنع مزاجًا عامًا قائمًا على التشكيك الدائم في الدولة الوطنية، وعلى افتراض السوء حتى دون دليل.
فالدول لا تُدار بالشائعات، ولا بالاحتمالات المجردة، ولا بمنطق “كل شيء جائز”.
*ثالثًا:* لماذا تجاهل الكاتب الإجراءات الاجتماعية التي اتخذتها حكومة المختار ولد أجاي؟
حين أراد الأستاذ إسماعيل المقارنة بين موريتانيا والسنغال، ركز فقط على الإجراءات الاقتصادية الصعبة، وتجاهل عمدًا أو سهوًا حزمة الإجراءات الاجتماعية التي صاحبتها.
فالحكومة الموريتانية لم تذهب إلى سياسة تقشف عمياء كما صوّر المقال، بل اتخذت إجراءات اجتماعية موازية لحماية الفئات الهشة، من بينها:
رفع الحد الأدنى للأجور؛
توسيع برامج الدعم الاجتماعي؛
دعم المواد الأساسية؛
تعزيز برامج “التآزر”؛
مواصلة دعم التعليم والصحة؛
وتوجيه مساعدات للفئات الأقل دخلًا.
وهذا فارق جوهري بين إدارة اقتصادية تحاول التوازن بين الإصلاح المالي والاستقرار الاجتماعي، وبين خطاب شعبوي يكتفي بإثارة العواطف دون تقديم بدائل قابلة للتطبيق.
فالاقتصاد ليس خطابة سياسية، والدولة ليست منصة شعارات.
رابعًا: هل كان المقال حملة ترويج لصونكو أم حملة ضد ولد أجاي؟
من حق أي كاتب أن يعارض الحكومة، لكن من واجب القارئ أيضًا أن يسأل: هل كان الهدف فعلًا تحليلًا اقتصاديًا موضوعيًا؟ أم محاولة لصناعة بطل خارجي مقابل شيطنة مسؤول داخلي؟
لقد ظهر عثمان سونكو في المقال وكأنه قائد تحرري عالمي، بينما ظهر المختار ولد أجاي كموظف ينفذ تعليمات صندوق النقد بلا نقاش.
وهذه ثنائية دعائية أكثر منها تحليلًا سياسيًا.
فالسيادة الوطنية لا تُقاس برفع الصوت ضد المؤسسات الدولية، وإنما بقدرة الدولة على حماية استقرارها، وتأمين معاش شعبها، والحفاظ على توازناتها المالية، وتجنب الانهيارات التي دفعت دولًا كثيرة إلى الإفلاس والفوضى.
*خامسًا:* في زمن الأزمات الدولية… هل المطلوب جلد الذات أم تقوية الجبهة الداخلية؟
العالم كله يعيش أزمة اقتصادية مركبة: تضخم عالمي، اضطرابات سلاسل الإمداد، حروب، ارتفاع أسعار الطاقة، وضغوط مالية خانقة حتى على الاقتصادات الكبرى.
وفي مثل هذه الظروف، يفترض أن تلعب النخب دورًا وطنيًا مسؤولًا:
أن تنتقد نعم،
أن تقترح البدائل نعم،
لكن دون تبخيس كل جهد داخلي،
ودون تحويل نجاح الآخرين المفترض إلى وسيلة لتحقير الذات الوطنية.
فليس من الحكمة أن نُقنع المواطن بأن دولته عاجزة دائمًا، وأن الآخرين أكثر وعيًا وكرامة وكفاءة في كل شيء.
إن بناء الثقة الوطنية ضرورة سياسية واقتصادية واجتماعية، لأن الدول لا تواجه الأزمات فقط بالأرقام، بل أيضًا بالتماسك الداخلي، والثقة في المؤسسات، والقدرة على إدارة الخلاف دون هدم المعنويات العامة.
أما المعارضة التي لا ترى في الوطن إلا مساحة للفشل، فهي لا تبني وعيًا، بل تبني إحباطًا جماعيًا خطيرًا.
وفي النهاية: يمكن أن نختلف مع الحكومة، ويمكن أن ننتقد خياراتها الاقتصادية، لكن لا يجوز أن نحول المقارنة مع الدول الأخرى إلى أداة دائمة لتبخيس الوطن، ولا أن نستورد روايات غير مكتملة لنصنع منها أحكامًا نهائية.
موريتانيا ليست نسخة من السنغال، والسنغال ليست جنة اقتصادية، وصندوق النقد ليس شيطانًا مطلقًا ولا منقذًا مطلقًا، والسياسة الرشيدة هي التي توازن بين الواقعية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بعيدًا عن المزايدات والشعارات.