أوقفوا نشر الكراهية والدعوة للعنصرية/ محمد عبد الله بين

لم تعد الكراهية خطابًا هامشيًا عابرا، بل تحولت في كثير من السياقات إلى ظاهرة مقلقة تتسلل إلى الفضاءات العامة والخاصة، مستفيدة من سرعة الانتشار التي تتيحها وسائل التواصل الحديثة، ومن هشاشة بعض البُنى الثقافية والاجتماعية.

إنها لم تعد مجرد انفعالات فردية، بل أصبحت- حين تؤطر وتسوق – أداة تفكيك للمجتمعات، وتهديدا مباشرا للسلم الأهلي والاستقرار.

إن خطاب الكراهية، في جوهره، يقوم على نفي الآخر، لا على الاختلاف معه. فهو لا يعترف بالتعدد بوصفه ثراء، بل يراه خطرا يجب احتواؤه أو إقصاؤه. ومن هنا تتغذى العنصرية، باعتبارها أحد أخطر تمظهرات هذا الخطاب، إذ تؤسس لمنطق تفاضلي زائف بين البشر، قائم على اللون أو العرق أو اللغة أو الانتماء الثقافي.

وهذا المنطق، حين يجد من يروج له أو يبرره،- كما هو حال *بيرام* وزبانيته – يتحول إلى قنبلة اجتماعية موقوتة.

ولعل أخطر ما في الأمر أن خطاب الكراهية لا يطرح دائما في صورته الفجة، بل قد يتخفى خلف شعارات براقة، أو يغلف بلغة دينية أو ثقافية أو حتى وطنية، فيقدم بوصفه دفاعا عن الهوية، أو حماية للقيم.

غير أن التدقيق في مضمونه يكشف أنه يقوم على الإقصاء والتحريض، لا على الحوار أو التعايش.

في المجتمعات التي تعاني من هشاشة اقتصادية أو توترات اجتماعية، يجد هذا الخطاب أرضا خصبة للانتشار. فالإحباطات المتراكمة، والشعور بالتهميش، قد تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن “عدو” يحمل مسؤولية الأزمات، فتستهدف فئات بعينها، ويعاد إنتاج الصور النمطية التي تبرر التمييز ضدها. وهنا تتحول الكراهية من فكرة إلى ممارسة، ومن خطاب إلى سلوك.

إن الوقوف أمام هذه الظاهرة لا يكون بالشجب اللفظي وحده، بل يتطلب مقاربة شاملة تتداخل فيها الأبعاد التربوية والثقافية والقانونية. فالتربية على قيم المواطنة، واحترام التنوع، وتعزيز التفكير النقدي، تشكل خط الدفاع الأول ضد هذا الانحراف.

كما أن النخب الفكرية والإعلامية تتحمل مسؤولية كبيرة في تفكيك خطاب الكراهية، وكشف تناقضاته، وفضح آلياته.

أما على المستوى القانوني، فلا بد من وجود نصوص واضحة تجرّم التحريض على الكراهية والعنصرية وهي موجودة بالفعل، دون المساس بحرية التعبير المسؤولة، ولكنها تحتاج للصرامة في التطبيف.

فالفارق جوهري بين حرية الرأي، التي تثري النقاش العام، وبين خطاب يحض على التمييز أو العنف.

ولا يمكن إغفال دور الأفراد في هذا السياق؛ فكل مواطن هو، بشكل أو بآخر، فاعل في تشكيل الوعي الجمعي.

إن مقاومة الكراهية تبدأ من اللغة اليومية، ومن طريقة التعامل مع الآخر، ومن رفض إعادة إنتاج الأحكام المسبقة. فالمجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا حين يُسمح للكراهية أن تصبح “أمرا عاديا”.

إن الدعوة إلى الوقوف أمام نشر الكراهية ليست ترفا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية لحماية النسيج الاجتماعي. فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تستسلم لخطابات الإقصاء، سرعان ما تجد نفسها أمام انقسامات عميقة يصعب ترميمها. وفي المقابل، فإن المجتمعات التي تحتضن تنوعها، وتُدير اختلافاتها بالحوار، هي الأقدر على الصمود والتقدم.

إن الأوطان لا تبنى بخطابات التفرقة، ولا تستقيم على نزعات الإقصاء، بل تنهض على المصالحة الصادقة مع الذات ومع المجتمع بكل مكوناته. ومن هنا، فإن كل من ينساق- عن قصد أو غير قصد – نحو تغذية الكراهية أو تكريس الانقسام، مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة مواقفه، وتغليب صوت الحكمة على نزعات التأجيج.

فالوطن يتسع للجميع، ولا مستقبل له إلا بتلاقي أبنائه على قيم العدل والاحترام المتبادل.

إن الرجوع إلى منطق التعايش ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقية تُعيد الاعتبار للإنسان، وتفتح أبواب الأمل أمام أمة تستحق أن تتوحد لا أن تتشظى.

في النهاية، يظل السؤال مطروحا: هل نختار أن نكون شهودا صامتين على تمدد الكراهية، أم فاعلين في مواجهتها؟ إن الجواب لا يحدده الخطاب وحده، بل الموقف، والسلوك، والإرادة الجماعية في بناء مجتمع يتسع للجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى