*بيرام: ماذا يريد لموريتانيا؟* /محمد عبد الله بين

في لحظة دولية دقيقة، حيث تتسارع الأزمات وتشتعل الحروب مهددة استقرار دول كبرى، تبدو الحاجة إلى تماسك الجبهة الداخلية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالدول لا تواجه التحديات الوجودية إلا بوحدة صفها، وصلابة نسيجها الاجتماعي، ووضوح خطابها الوطني.
وفي مثل هذا السياق، يصبح كل خطابٍ يزرع الشك أو يوسّع هوة الانقسام موضع مساءلة حقيقية.
هنا يبرز اسم بيرام ولد الداه اعبيد، لا باعتباره فاعلا سياسيا عاديا، بل كصوت يثير جدلا واسعا حول ططبيعة خطابه وحدود تأثيره. فبينما يرى فيه أنصاره مدافعا عن المظلومين، نراه نحن (منتقدوه) صاحب خطاب تصعيدي يتغذى على التوترات ويعيد إنتاجها.
من الواضح أننا اقتنعنا أن الرجل اختار استراتيجية تقوم على تدويل بعض القضايا الداخلية، عبر توصيفات حادة تصل إلى حد وصف موريتانيا بدولة الفصل العنصري، واتهامها بممارسات خطيرة مثل تصفية سود البشرة. و مثل هذا الخطاب، سواء اتفق معه أو اختلف، لا يمر دون أثر: فهو يضع صورة البلد في ميزان خارجي خطير، ويغذي روايات قد تستغل سياسيا، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خطاب يوازن بين النقد والمسؤولية.
داخليا، يتخذ الخطاب منحى أكثر حدة ووقاحة، من خلال تحريك نواب محسوبين على نفس التيار داخل البرلمان، حيث تتحول الجلسات أحيانا إلى ساحات توتر بدل أن تكون فضاءات نقاش مؤسسي.
كما يتسع هذا الخطاب في الفضاء الإعلامي، ليتحول- في بعض تجلياته- إلى دعوات احتجاجية وتصعيدية قد تلامس حدود العصيان المدني.
لكن السؤال الجوهري ليس: ماذا قال بيرام؟ بل: ماذا يريد فعلا؟
هل يسعى إلى إصلاح حقيقي عبر الضغط السياسي؟ أم أنه يراهن على تفكيك التوازنات القائمة لإعادة تشكيل المشهد على أسس صدامية؟
التمييز هنا ضروري، لأن الفرق كبير بين خطابٍ يطالب بالحقوق ضمن إطار وطني جامع، وخطابٍ يعيد تعريف الصراع بلغة هوياتية قد تفتح أبوابا يصعب إغلاقها.
إن موريتانيا، بحكم تاريخها وتنوعها، ليست بلدا أحاديا يمكن اختزاله في سردية واحدة.
لقد عرفت فترات من التوتر، نعم، لكنها عرفت أيضا قدرة على التعايش وإعادة التوازن. ومن هذا المنطلق، فإن أي مشروع سياسي – مهما كانت شعاراته- لا يمكن أن ينجح إذا بني على تعميق الشروخ بدل ردمها.
وهنا تبرز الحقيقة التي لا تحتمل المزايدة:
موريتانيا تسع الجميع، لكنها لا تحتمل خطابا يهدد سلمها الاجتماعي.
فالحقوق لا تنتزع بإشعال الانقسامات، ولا تبنى العدالة على أنقاض الوحدة الوطنية.
كما أن تجاهل الاختلالات الحقيقية ليس حلا، تماما كما أن تضخيمها وتحويلها إلى صراع وجودي ليس طريقا للإصلاح.
إن التحدي اليوم ليس في إسكات الأصوات، بل في ترشيدها؛ وليس في إنكار المشكلات، بل في معالجتها ضمن أفق وطني جامع. فالدولة مطالبة بالإنصاف والعدالة، والمجتمع مطالب بالحفاظ على تماسكه، والفاعلون السياسيون – وفي مقدمتهم بيرام – مطالبون بالتمييز بين النضال المشروع والخطاب العنصري المتشنج الذي قد يدفع البلاد نحو منزلقات خطيرة.
وختاما :
مقابل هذا الجدل المحتدم، لا بد من الإشارة إلى أن الدولة لم تقف موقف المتفرج، بل شرعت في بلورة مشروع وطني طموح، يقوده فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، يقوم في جوهره على تضييق الفوارق الاجتماعية وتعزيز العدالة بين مختلف مكونات المجتمع.
فإنشاء المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء (تآزر) لم يكن إجراءً معزولاً، بل لبنة أساسية في رؤية تستهدف الحد من الهوة بين الشرائح الاجتماعية، والتكفل بالأسر المتعففة، وتوسيع مظلة التأمين الصحي للفئات الأكثر هشاشة. كما يعكس التوجه نحو تمكين أبناء الطبقات الضعيفة من الولوج إلى الوظائف السامية إرادة واضحة لكسر الحواجز التقليدية التي أعاقت تكافؤ الفرص لعقود.
ولم يقف هذا المشروع عند البعد الاجتماعي فحسب، بل امتد إلى السعي نحو إطلاق حوار وطني شامل، يهدف إلى معالجة الإشكالات العالقة بروح توافقية، تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتفتح المجال أمام مختلف الفاعلين للمساهمة في صياغة حلول مستدامة.
وفي هذا السياق، تعمل حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي على تنفيذ ومتابعة هذه التعهدات، وتحويلها من وعود إلى سياسات ملموسة. ويظل العنصر الأهم في هذا البرنامج، بل ركيزته التي لا يقوم بدونها، هو الوحدة الوطنية باعتبارها الضامن الحقيقي لكل إصلاح، والسقف الذي يحمي كل مكسب.
وعليه، فإن الرهان اليوم ليس فقط على نقد الواقع، بل على الانخراط في هذا المشروع الجامع، الذي يجعل من موريتانيا وطناً يسع الجميع—لا بالشعارات، بل بالفعل—في ظل سلم اجتماعي راسخ وعدالة متوازنة.
*وعليه :*
ليس السؤال ماذا يريد بيرام فقط، بل ماذا نريد نحن لموريتانيا؟
فإما أن نختار طريقا يعترف بالتعدد ويؤسس للعدالة في ظل السلم،
وإما أن ننزلق- تحت ضغط الخطابات المتشنجة- إلى معادلات صراع لا رابح فيها، وإن كان محتملا، فليس بالتأكيد بيرام.
وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل وطنٍ يسع الجميع… بشرط أن نؤمن جميعا بمن فينا بيرام بأنه كذلك.