*محمد عبد الله ولد بين يكتب:* الدولة العميقة أم المواطن الضعيف؟* *معادلة مختلة*

في النقاش العمومي بموريتانيا، كثيراً ما يُستدعى مفهوم “الدولة العميقة” ككلمة سحرية تفسّر كل الأعطاب: تعثر الإصلاح، بطء العدالة، اختلال توزيع الثروة، وارتباك القرار. لكن، هل المشكلة حقاً في كيان خفي يتحكم في كل شيء؟ أم أن الأمر أعقد من ذلك، ويتعلق أيضاً بمواطن لم يُمنح—أو لم ينتزع—مساحة كافية من القوة والتأثير؟
الحقيقة أن اختزال الأزمة في “الدولة العميقة” قد يمنحنا راحة نفسية، لأنه يضع المسؤولية على طرف غير مرئي، يصعب تحديده أو مساءلته. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: ماذا عن المواطن؟ أين موقعه في هذه المعادلة؟ وهل هو ضحية فقط، أم طرف—بشكل أو بآخر—في استمرار هذا الخلل؟
الدولة، في جوهرها، ليست مجرد مؤسسات، بل هي انعكاس لعلاقة معقدة بين السلطة والمجتمع. وعندما تضعف هذه العلاقة، يظهر ما نسميه اختلالاً في التوازن. في موريتانيا، يبدو هذا الاختلال واضحاً: مؤسسات قائمة شكلياً، وقوانين موجودة نظرياً، لكن الفاعلية محدودة، والثقة مهزوزة.
من جهة، هناك شعور عام بأن القرارات لا تُصنع دائماً في العلن، وأن شبكات النفوذ—الاجتماعية والاقتصادية—تلعب دوراً أكبر مما ينبغي. ومن جهة أخرى، هناك مواطن غالباً ما يتعامل مع الشأن العام بقدر من اللامبالاة أو العجز، إما بسبب فقدان الثقة، أو نتيجة تراكمات تاريخية من التهميش.
وهنا تتشكل “المعادلة المختلة”: سلطة قد لا تكون شفافة بما يكفي، ومجتمع لا يمارس ضغطاً منظماً بما يكفي. النتيجة؟ فراغ تُملؤه الشائعات، وتُدار فيه المصالح بعيداً عن أعين الرقابة الحقيقية.
لكن، هل يمكن كسر هذه المعادلة؟
الإجابة تبدأ بإعادة تعريف الأدوار. فالدولة مطالبة بتعزيز الشفافية، لا كشعار، بل كممارسة يومية: وضوح في القرار، محاسبة فعلية، وإتاحة للمعلومة. في المقابل، المواطن ليس مجرد متلقٍ سلبي، بل فاعل يجب أن يطوّر أدواته: وعي، تنظيم، ومشاركة حقيقية في الشأن العام، تتجاوز حدود النقد على الهامش.
إن أخطر ما في هذه المعادلة ليس وجود خلل، بل التعايش معه وكأنه قدر. فحين يعتاد المجتمع على ضعف تأثيره، وتعتاد السلطة على غياب المساءلة، يتحول الاختلال إلى نظام غير معلن.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة في “دولة عميقة” تتحكم في كل شيء، ولا في “مواطن ضعيف” لا يملك شيئاً، بل في العلاقة بينهما حين تختل. وإصلاح هذه العلاقة لا يبدأ بإدانة طرف واحد، بل بإدراك أن التوازن مسؤولية مشتركة.
فهل نملك الشجاعة لإعادة صياغة هذه المعادلة؟ أم سنواصل البحث عن شماعات تريحنا من مواجهة الحقيقة؟
وفي خضم هذا الجدل، لا يمكن إنكار أن السنوات الأخيرة شهدت جملة من الإجراءات الملموسة في سبيل تضييق الخناق على الفساد، عبر بناء ترسانة قانونية أكثر صرامة، وتعزيز الإطار التشريعي المنظم للشفافية والحكامة، إلى جانب تفعيل وتعيين مختلف الهيئات الرقابية المكلفة بالمتابعة والمساءلة. وهي خطوات تعكس إدراكاً متزايداً بأن المعركة ضد الفساد لم تعد خياراً سياسياً ظرفياً، بل ضرورة وجودية لضمان استقرار الدولة وعدالة المجتمع.
لقد وعت القيادة الوطنية، بقيادة فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، بعمق خطورة هذه الإشكالية البنيوية، وما تفرزه من اختلالات تمس ثقة المواطن وتعيق مسار التنمية. ومن هذا المنطلق، كُلّفت الحكومة برئاسة الوزير الأول المختار ولد أجاي بوضع تصورات وبرامج عملية تهدف إلى كسر هذه المعادلة المختلة: “الدولة العميقة أم المواطن الضعيف”.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في سنّ القوانين أو إنشاء الهيئات، بل في مدى قدرتها على إحداث أثر فعلي داخل مجتمع تعايش طويلاً مع هذه الظاهرة، حتى كادت تتحول إلى سلوك مألوف. فهل تكفي الإرادة السياسية وحدها لإحداث القطيعة؟ أم أن الرهان الأكبر يظل معقوداً على يقظة مجتمعية تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة؟
إن الأفق لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن كسر هذه المعادلة لن يتحقق إلا حين تلتقي صرامة الدولة مع وعي المجتمع، وحين تتحول محاربة الفساد من سياسة رسمية إلى ثقافة عامة. عندها فقط يمكن أن يلوح في الأفق فجر توازن جديد، لا تكون فيه الدولة عميقة ولا المواطن ضعيفاً، بل شريكين في بناء عدالة حقيقية.