*محمد عبد الله ولد بين يكتب: *رحلة وفاء وعطاء: عبد الرحمن سيد امحمد وسيرة المربي النبيل* 

يقدّم الأستاذ عبد الرحمن سيد امحمد في هذا نص رحلته المهنية شهادةً إنسانية رفيعة، تتجاوز كونها مجرد سردٍ لمسار مهني، لتغدو لوحةً زاخرة بمعاني الوفاء، والتربية، والعطاء الهادئ الذي لا يطلب جزاءً ولا ظهورًا. إنها رحلة رجلٍ جعل من التعليم رسالة عمر، ومن المؤسسات التي مرّ بها محاريب خدمة، ومن الزملاء الذين لقيهم علاماتٍ مضيئة في ذاكرته ووجدانه. ومن يقرأ هذه السيرة يدرك أنه أمام نموذج للمربي الذي لم يقتصر أثره على الأقسام والدفاتر، بل امتد إلى بناء النفوس وغرس القيم وصناعة الأمل.

لقد تنقّل الكاتب بين محطات متعددة، من تجكجه إلى لعيون، ثم كيهيدي، فـ مكطع لحجار، وصولًا إلى انواكشوط، لكن الجامع بين هذه المحطات جميعًا هو الثبات على خُلُق الرسالة، والإيمان العميق بأن التعليم صناعة مستقبل، لا وظيفة عابرة. وقد استطاع بأسلوبه الشفيف أن يجعل من المدن شخصيات حيّة، لكل مدينة روحها، ولكل مرحلة نكهتها، ولكل تجربة أثرها الخاص.

غير أن سنوات لعيون بدت في النص كأنها الربيع الأخصب في هذه الرحلة؛ ففيها اجتمع جمال المكان بنبل الإنسان، والتقت الخبرة المهنية بالثراء الفكري، وتفتحت أمام الكاتب آفاق جديدة من المعرفة والعلاقات الإنسانية الراقية. لقد كانت مرحلةً ناضجة امتلأت بالعطاء، وزادها إشراقًا لقاؤه بكوكبة من رجالات التربية، ثم ذلك اللقاء الاستثنائي بالشخصية الفذة: المرحوم السالك ولد جدو اللمتوني.

وهنا يبلغ النص ذروة وجدانه ومعناه؛ لأن الحديث عن الراحل السالك ليس حديثًا عن شخص عادي، بل عن جوهرة نادرة اجتمع فيها من الخصال ما تفرّق في غيره. فقد كان – كما يصوره النص – موسوعيَّ المعرفة، متينَ الصلة بعلوم الشريعة، واسعَ الاطلاع في اللغة والأدب، نافذَ البصيرة في الفكر والتراث، حتى بدا كأنه مدرسة تمشي على قدمين. ولم تكن ميزته في العلم وحده، بل في أخلاقه وسلوكه وتواضعه وأثره التربوي العميق؛ فهو من أولئك الذين يوقظون في النفوس حب السؤال، ويمنحون المعرفة روحها، ويجعلون من الجلوس إليهم مكسبًا لا يُقدَّر بثمن.

لقد منحه الله من صفاء السريرة، ورجاحة العقل، وسعة الثقافة، وكرم المعشر، وحسن السمت، ما لم يحظَ به كثير من أبناء عصره. وكان وجوده في أي محيط كفيلًا بأن يرفع منسوب المعنى فيه؛ لأن أمثال هؤلاء لا يمرّون في الحياة مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا باقياً في العقول والقلوب.

ومن حسن حظ الأستاذ عبد الرحمن، بل من جميل توفيق الله له، أنه حظي بعشرة هذا الرجل والعمل معه والنهل من معينه. فصحبة الأفذاذ رزق، ومجالسة الكبار نعمة، والاشتغال إلى جانب القامات العلمية والأخلاقية مدرسة لا تعادلها مدرسة. وليس غريبًا أن يبقى أثر السالك حيًّا في ذاكرته إلى اليوم؛ لأن النفوس الكبيرة تظل مقيمة في وجدان من عرفها.

كما يكشف النص عن وفاء نادر؛ فالكاتب لا يمر على الأشخاص مرورًا سريعًا، بل يذكر فضلهم، ويستحضر خصالهم، ويدعو لأحيائهم وأمواتهم، مما يدل على معدن أصيل وشخصية تحفظ الجميل. وهذا في ذاته قيمة تربوية كبيرة، لأن من لا يعترف بفضل الناس لا يستطيع أن يزرع الفضل في الأجيال.

ثم إن انتقاله لاحقًا إلى العمل الإداري في مدارس أجيال المستقبل يدل على أن الخبرة الحقيقية لا تتقاعد، وأن المربي الصادق يبقى قادرًا على العطاء حيثما وُضع. فالتقاعد عنده لم يكن انطفاءً، بل تحولًا من ميدان إلى ميدان، ومن دور إلى دور، في صورة مشرقة للمسؤولية الأسرية والاجتماعية.

وخلاصة القول، إن هذه الرحلة المهنية ليست فقط سيرة أستاذ ناجح، بل سيرة إنسان نافع عاش للعلم، ووفى للزملاء، وخدم الأجيال، وحمل ذاكرة الوطن التربوية في قلبه. كما أنها شهادة وفاء خالدة للمرحوم السالك ولد جدو، ذلك الرجل الذي جمع الله له من العلم والأدب والأخلاق ما جعله عَلَمًا في زمنه، وسيبقى ذكره بين الناس مناراتٍ تهدي وتُلهم. رحم الله السالك رحمة واسعة، وبارك في الأستاذ عبد الرحمن سيد امحمد، وجزاه عن التعليم وأهله خير الجزاء.

زر الذهاب إلى الأعلى