محمد عبد الله ولد بين ، يكتب :*  مالي الجارة الشقيقة بين محنة الواقع وواجب الأخوة..

لا تقوم الدول في عزلة، ولا تستقيم أوضاعها إذا أغلقت أبوابها في وجه جيرانها، لأن حسن الجوار ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو ركيزة من ركائز الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والأمن الاجتماعي.

فالدول، مهما بلغت من القوة، تحتاج إلى محيطها الإقليمي، وتحتاج إلى التبادل التجاري والثقافي والإنساني مع الآخرين، إذ لا دولة يمكنها أن تعيش منفصلة عن محيطها أو مكتفية بذاتها في عالم تتشابك فيه المصالح وتترابط فيه الأقدار.

ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة بين موريتانيا ومالي ليست علاقة حدود جغرافية فحسب، بل هي رابطة أخوة ضاربة في عمق التاريخ.

فالشعبان الشقيقان يجمعهما الدم والدين والجيرة والمصالح المشتركة، كما يجمعهما تاريخ طويل من التواصل الإنساني والتجاري والاجتماعي.

لقد كانت الحدود بين البلدين، عبر العقود، مجالا للحركة والتبادل والتلاقي، لا مجالا للتنافر والقطيعة.

وقد عرف الشعب المالي الكريم، عبر مراحل مختلفة، صبورا كبيرا على حركية الموريتانيين وتنقلهم في مجالات شتى؛ منمين يبحثون عن المراعي، وتجارا يقصدون الأسواق، وعابرين نحو دول غرب إفريقيا، فلم يكن الماليون إلا أهل كرم وتسامح واحتضان.

وهذه المواقف النبيلة لا تنساها الذاكرة الموريتانية، لأن الوفاء للأشقاء قيمة لا تسقط بالتقادم.

واليوم، تمر مالي بظروف جيوسياسية معقدة ليست من أحسن الظروف. فقد تراكمت عليها أزمات داخلية وخارجية، بين تحديات الأمن، وضغط التدخلات الأجنبية، وتعقيدات الانتقال السياسي، وتنامي المظالم الاجتماعية، وصعوبة بناء التوافق الوطني الجامع. وهي ظروف أنهكت الدولة وأثقلت كاهل المواطن المالي البسيط، الذي ظل يدفع ثمن صراعات لا يد له فيها.

غير أن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى ما تمر به مالي بعين الحكمة لا بعين الإدانة، وبمنطق التفهم لا بمنطق الشماتة.

فالأيام دول، وما يمر به شعب اليوم قد يمر به غيره غدا. لذلك فإن الواجب السياسي والأخلاقي والإنساني يحتم على موريتانيا، دولة وشعبا، أن تفتح أذرع الأخوة لجارتها الشقيقة، وأن تقف معها بما تستطيع من دعم معنوي وسياسي، حتى تتجاوز محنتها وتستعيد عافيتها.

إن لمالي في موريتانيا أهلا وخلانا، كما أن لموريتانيا في مالي أهلا وخلانا، وهذه الروابط الاجتماعية العميقة يجب أن تكون جسرا للتقارب لا حاجزا للخوف، ومصدر قوة لا سبب تباعد.

فحين تضيق الأزمات، تتسع الأخوة، وحين تشتد المحن، يظهر معدن الشعوب الأصيلة.

ومن هنا، فإن من الحكمة أن تضطلع موريتانيا بدور إيجابي في مرافقة الأشقاء الماليين نحو الاستقرار، مستفيدة من رصيدها الدبلوماسي المتزن، ومكانتها الأخلاقية، وعلاقاتها المتوازنة مع الأطراف المختلفة. وإن قيادة فخامة رئيس الجمهورية السيد *محمد ولد الشيخ الغزواني،* بما عرف عنه من رزانة وحكمة وبعد نظر، مؤهل للقيام بدور الوسيط الصادق، الذي يساعد دولة مالي على الخروج من أزماتها المتراكمة داخليا وخارجيا، ويقرب وجهات النظر، ويدعم مسارات الحوار والمصالحة.

إن مالي لا تحتاج فقط إلى حلول أمنية، بل إلى قيادة رشيدة ترحم شعبها، وتعالج مظلومياته السياسية والاجتماعية، وتؤسس لعقد وطني جديد يقوم على العدالة والمشاركة والكرامة. وإذا تحقق ذلك، فإن مالي ستنهض من جديد، قوية بوحدتها، عزيزة بشعبها، مستقرة في جوارها الإقليمي.

نسأل الله أن يفرج عن الشعب المالي الشقيق، وأن يهيئ له من أمره رشدا، وأن يديم على موريتانيا نعمة الأمن والحكمة، ويجعلها دائما سندا للخير، وجسرا للأخوة، ورسولا للسلام في محيطها الإفريقي.

زر الذهاب إلى الأعلى