*بين الحقيقة والتوظيف:قراءة في خطاب افلام ومغالطات المقارنة مع الناصرية/ سيدي محمد ولد لخليفة

الأخ إبراهيم بلال رمضان
طرحك لسؤال: “لماذا تأتي موجة التحريض ضد حركة أفلام من مكوّن واحد فقط؟” يبدو في ظاهره دعوة للتوازن، لكنه في عمقه يقوم على فرضية غير دقيقة، بل يوجّه النتيجة سلفًا.
أولًا، ليس صحيحًا أن الاعتراض على «أفلام» صادر عن “مكوّن واحد”، بل هو في جانب معتبر منه موقف نقدي من خطاب طُبع – في مراحل سابقة – بنزعات عرقية وتوصيفات حادّة للمجتمع، وهو ما جعل كثيرين، من خلفيات مختلفة، يتحفّظون عليه أو يرفضونه.
ثانيًا، المقارنة بين «أفلام» والحركات القومية العربية، وخاصة الناصرية، يعاني من خلل جوهري. فهذه الحركات، التي ارتبطت فكريًا وتجربيًا بزعامة جمال عبد الناصر، لم تكن مشروعًا عرقيًا أو فئويًا، بل مشروعًا وحدويًا تحرريًا عابرًا للحدود، قام على مقاومة الاستعمار ودعم حركات التحرر في إفريقيا وآسيا.
وقد تجلّى هذا الدور بوضوح في إفريقيا، حيث أقام عبد الناصر علاقات وثيقة مع رموز التحرر الإفريقي، مثل باتريس لومومبا وكوامي نكروما، وساند نضالاتهم سياسيًا وإعلاميًا، وأسهم في بناء جبهة تضامن دولي ضد الاستعمار ونظام الفصل العنصري.
وفي السياق نفسه، فإن استحضار علاقات بعض القوميين العرب مع معمر القذافي لا يخدم أطروحة المقارنة، بل يعززها ضدها؛ لأن القذافي كان من أبرز الداعمين لحركات التحرر الإفريقية، وقدّم دعمًا ملموسًا في مواجهة نظام الفصل العنصري، وهو ما أقرّ به نيلسون مانديلا نفسه.
ثالثًا، في مسألة اللغات، من الضروري تصحيح زاوية النظر: فاللغة العربية في موريتانيا لم تكن يومًا لغة مكوّن ضد آخر، بل كانت – تاريخيًا وواقعيًا – لغة جامعة بين مختلف القوميات، بحكم دورها كلغة دين (الإسلام)، وعلم، وفقه، وتواصل. وقد شكّلت وعاءً حضاريًا مشتركًا تفاعلت داخله جميع المكونات، بل إن اللغات الوطنية (البولارية، السوننكية، الولفية) كُتبت بالعربية في مراحل تاريخية، بما يعكس تداخلًا ثقافيًا لا صراعًا هوياتيًا.
ومن هنا، فإن ترقية اللغات الوطنية لا تتعارض مع مكانة العربية، بل تتكامل معها في إطار إنصاف ثقافي متوازن، وهو ما دافعت عنه التيارات القومية نفسها.
رابعًا، أما بخصوص توصيف «أفلام» كممثل لمكوّن إفريقي، فذلك طرح يحتاج إلى تدقيق. فالحركة، في واقعها، لا تمثل كل المكوّنات الإفريقية في موريتانيا، بل هي مجموعة تنتمي إلي مكون واحدتشكّلت في سياقات سياسية ونقابية، وارتبطت ببعض تيارات “حركة الكادحين” وشخصيات متأثرة بالثقافة الفرنكوفونية. كما أن الدعم الذي حظيت به لم يكن حكرًا على فئة دون أخرى، بل شاركت فيه أطراف من مختلف مكونات المجتمع.
وفي المقابل، فإن المجموعات الاجتماعية الإفريقية التقليدية، في القرى والأرياف، ظلت أكثر ارتباطًا ببقية مكونات المجتمع، وأكثر اندماجًا في النسيج الوطني حتي الآن، بعيدًا عن الاطروحات التصادمية أو الخطابات الحادة التي تبنّتها بعض نخب «أفلام».
الخلاصة: الإشكال ليس في “مكوّن يهاجم مكوّنًا”، بل في محاولة فرض قراءة مختلّة تقوم على الخلط بين مشروع تحرري وحدوي، مثل الناصرية، وتجارب احتجاجية ارتبطت – في بعض مراحلها – بخطاب عرقي أو تصادمي.
نعم للمصالحة… لكن على أساس الوضوح والإنصاف، لا على أساس التبسيط أو إعادة صياغة الوقائع.
*سيدي محمد ولداخليفه*