*محمد عبد الله ولد بين يكتب:* *التمكين الحقيقي في دولة المؤسسات… لا في شعارات* الوصاية والاحتكار*

يخطئ بعض الخطاب المتداول حين يحاول تصوير ما يجري في موريتانيا وكأنه مجرد واجهة شكلية، أو أن تعيين أطر وطنية من شريحة لحراطين في مواقع المسؤولية لا معنى له ما لم يتبنَّ أصحابها خطابًا تصادميًا، أو ينخرطوا في أجندات ضيقة، أو يخرجوا على منطق الدولة والمؤسسات. فمثل هذا الطرح لا يخدم الإنصاف، ولا يقرأ التحولات الجارية بموضوعية.
لقد نجح فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني خلال السنوات الماضية في توسيع دائرة التمكين الوطني لكافة مكونات المجتمع، وخاصة شريحة لحراطين، بشكل واضح وملموس، من خلال رفع مستوى تمثيلها في مواقع القرار، وتوسيع حضور كفاءاتها في المراكز السيادية والإدارية والحقوقية، سواء في الحكومة أو المؤسسات الدستورية أو الهيئات العمومية. وهذه مقاربة تقوم على مبدأ المواطنة والكفاءة، لا على منطق المحاصصة الضيق أو الاستعراض السياسي المؤقت.
فأن يُعيَّن إطار وطني من هذه الشريحة في وزارات سيادية كوزارة العدل أو الخارجية، أو في مؤسسة حقوقية وطنية، أو في هيئة تُعنى بمكافحة التعذيب، فذلك يعكس إرادة سياسية في دمج الكفاءات الوطنية وإشراكها في إدارة الشأن العام، لا مجرد بحث عن صورة إعلامية كما يدّعي البعض. والدولة حين تفتح أبواب المسؤولية أمام جميع أبنائها، فإنها تؤسس لمجتمع أكثر توازنًا وعدالةً وثقةً في المستقبل.
ومن الخطأ أيضًا افتراض أن المسؤول الذي لا يتماهى مع بعض الخطابات الفئوية أو الراديكالية يُعد ضعيفًا، أو فاقدًا للصلاحيات، أو مجرد اسم بلا أثر. فالأطر التي يتم تعيينها ليست ملزمة بأن تتبنى لغة التصعيد حتى تُثبت شرعيتها، وليست مطالبة بأن تدخل في صراع دائم مع مؤسسات الدولة حتى تُعتبر ناجحة. هذا منطق وصاية مرفوض، وكأن فئة من المواطنين لا يُسمح لها بالنجاح إلا إذا تحدثت بصوت سياسي واحد.
إن المسؤول الناجح هو من يخدم وطنه من موقعه، ويحترم القانون، ويؤدي مهامه بكفاءة، ويساهم في تطوير المؤسسة التي يقودها، لا من يرفع الشعارات أو يبحث عن التصفيق الآني. كما أن قوة المسؤول لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرته على الإنجاز، وترسيخ العدالة، وتحسين الأداء، وصون الحقوق ضمن الأطر القانونية والمؤسسية.
ثم إن أبناء لحراطين، مثل سائر أبناء الوطن، ليسوا كتلة واحدة ذات رأي واحد، ولا تيارًا سياسيًا واحدًا، ولا يمكن اختزالهم في خطاب محدد أو جهة بعينها. فيهم الإداري، والقاضي، والوزير، والأستاذ، والعسكري، والحقوقي، ورجل الأعمال، ولكل منهم رؤيته واجتهاده وخياره الوطني. ومن الظلم أن يُطلب من أي إطار منهم أن ينال “شهادة قبول” من بعض الأصوات قبل الاعتراف بكفاءته أو شرعية موقعه.
إن ما تشهده البلاد اليوم هو انتقال متدرج نحو توسيع المشاركة الوطنية، وتعزيز حضور الكفاءات من مختلف الشرائح في دوائر القرار، وهو مسار يستحق الدعم والتطوير، لا التشكيك والتبخيس. والكمال لله وحده، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الإرادة السياسية في هذا الاتجاه قائمة، وأن ما تحقق خلال عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يمثل خطوة مهمة على طريق دولة المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص.
فموريتانيا لا تُبنى بخطابات الإقصاء، ولا بادعاء احتكار تمثيل الشرائح، وإنما تُبنى حين يشعر كل مواطن أن بابه إلى المسؤولية مفتوح، وأن قيمته تُقاس بكفاءته وإخلاصه، وأن خدمة الوطن شرف متاح للجميع.”