*محمد عبد الله ولد بين يكتب :* *الضمان الاجتماعي في صميم الإصلاح..* *البعد الإنساني لبرنامج “طموحي للوطن”*

في خضم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها موريتانيا، يواصل فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تجسيد رؤيته الإصلاحية الطموحة من خلال برنامج “طموحي للوطن”، وهو البرنامج الذي جعل من الإنسان الموريتاني محور التنمية وغايتها، ومن العدالة الاجتماعية أساسًا للاستقرار والتقدم. وقد بدأت معالم الوفاء بهذه التعهدات تتجسد بوضوح عبر الديناميكية الحكومية التي يقودها الوزير الأول المختار ولد اجاي، خاصة في بعدها الاجتماعي الذي يمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
إن التوجه نحو إعداد حزمة من الدراسات وتنظيم منتديات عامة للضمان الاجتماعي يمثل خطوة نوعية ذات دلالة عميقة، لأنه يعكس إرادة سياسية صادقة لإصلاح أحد أهم القطاعات المرتبطة بكرامة المواطن وأمنه الاجتماعي. فالأنظمة الاجتماعية ليست مجرد نصوص إدارية جامدة، بل هي عقد تضامن بين الدولة والمجتمع، ومؤشر على نضج الدولة الحديثة وقدرتها على حماية مواطنيها في مراحل العمر المختلفة.
وتأتي هذه المنتديات المرتقبة لمعالجة ملفين بالغَي الأهمية، ظلّا لعقود في حاجة إلى مراجعة شاملة. أولهما نظام التقاعد العمومي الذي لم يعرف تحديثًا جوهريًا منذ سنة 1961، رغم ما شهده العالم من تغيرات في سوق العمل، ومتوسط الأعمار، وأنماط الوظيفة والإدارة. وثانيهما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي يعود تأسيسه إلى سنة 1967، والذي بات هو الآخر بحاجة ماسة إلى تحديث بنيته القانونية والفنية ليستجيب لمتطلبات العصر.
إن مجرد فتح هذا النقاش الوطني الهادئ والمسؤول حول هذين النظامين يعد في حد ذاته إنجازًا سياسيًا واجتماعيًا، لأنه ينقل الدولة من منطق التسيير التقليدي إلى منطق الاستشراف والإصلاح المسبق، ويؤكد أن القيادة الوطنية تدرك أن التنمية الاقتصادية لا تكتمل دون حماية اجتماعية عادلة وفعالة.
ومن المنتظر أن تفضي هذه المنتديات إلى جملة من الإصلاحات الكبرى، في مقدمتها توسيع نطاق التغطية الاجتماعية لتشمل فئات أوسع من العمال والمهنيين وأصحاب الأنشطة الحرة، بما يضمن دمج شرائح جديدة ظلت خارج المظلة الاجتماعية لسنوات طويلة. كما ستسهم في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمشتركين والمتقاعدين، سواء من حيث السرعة أو الرقمنة أو الكفاءة الإدارية.
وفي ذات السياق، يشكل تعزيز الحكامة وترسيخ مبادئ الشفافية أحد المرتكزات الأساسية لهذا المسار، بما يضمن حسن إدارة الموارد، وترشيد النفقات، وإرساء الثقة بين المواطن والمؤسسات الاجتماعية. أما الهدف الأبعد مدى، فهو ضمان الاستدامة المالية لهذه الأنظمة حتى تبقى قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الأجيال الحالية والقادمة.
وللتذكير، فإن هذا التوجه الإصلاحي لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار اجتماعي متكامل أطلقه فخامة الرئيس منذ مأموريته الأولى، حيث تم توسيع مظلة التأمين الصحي بإنشاء الصندوق الوطني للتأمين الصحي والاجتماعي ليشمل فئات جديدة كانت مستثناة من قبل، كما استفادت أكثر من 125 ألف أسرة متعففة من تحويلات نقدية منتظمة وبرامج مواكبة اجتماعية عبر مندوبية التآزر، في تجسيد عملي لفلسفة الدولة الراعية والمنصفة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد إصلاح تقني لأنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي، بل هو إعادة بناء للعقد الاجتماعي على أسس أكثر عدالة وحداثة. وهو ما يؤكد أن برنامج “طموحي للوطن” ليس شعارًا انتخابيًا عابرًا، بل رؤية دولة تتقدم بخطى ثابتة نحو مستقبل يضمن الكرامة للمواطن، ويصون حقوقه، ويمنحه الثقة في غدٍ أفضل.
وتبقى الآمال معلقة على أن لا تتوقف هذه المنتديات عند حدود النقاش النظري وتشخيص الاختلالات، بل أن تُترجم مخرجاتها إلى قرارات عملية وإصلاحات ملموسة في آجال معقولة. فالمواطن ينتظر نتائج تلامس واقعه اليومي، والمتقاعد يترقب إنصافًا طال انتظاره، والعامل يأمل في حماية اجتماعية أكثر عدالة وفعالية. ومن ثم، فإن التعجيل بتنفيذ الخلاصات والتوصيات التي ستصدر عنها سيكون خير دليل على جدية الإصلاح وصدق الإرادة في بناء دولة الرعاية والإنصاف.

زر الذهاب إلى الأعلى