*محمد عبد الله ولد بين يكتب :*بين طمأنة النص الدستوري وإعادة تشكيل الحقل السياسي: قراءة في تداعيات الحوار المرتقب*

تأتي الدعوة إلى حوار وطني بين الأغلبية والمعارضة في ظرف إقليمي ودولي مضطرب، ما يمنحها بعدًا يتجاوز مجرد التفاهمات السياسية الداخلية إلى محاولة تحصين الجبهة الوطنية وإعادة ترتيب الأولويات. غير أن ما سبق هذا الحوار من إحاطة قدمها منسقُه، والمتعلقة بعزم فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عدم الترشح لمأمورية ثالثة، كشف عن جملة من الحقائق التي لا يمكن القفز عليها، بل تستوجب نقاشًا صريحًا ومسؤولًا.
أول هذه الحقائق أن هذا الإعلان، وإن كان في ظاهره حسمًا مبكرًا لجدل دستوري وسياسي، فقد أربك مختلف الفاعلين. فالأغلبية، التي درجت على استمداد تماسكها من رمزية الرئيس باعتباره نقطة التقاء مرجعياتها المتعددة، وجدت نفسها أمام فراغ رمزي محتمل، يفرض عليها إعادة بناء وحدتها على أساس البرامج لا الأشخاص.
أما المعارضة، التي كانت تستثمر سياسيًا في فرضية “المأمورية الثالثة” وما يرتبط بها من نقاش حول المواد المحصنة، فقد فقدت فجأة أحد أهم مرتكزات خطابها التعبوي، ما يضعها أمام تحدي تجديد أدواتها التحليلية وخطابها السياسي.
أما الحقيقة الثانية، فتتعلق بطبيعة المرحلة التي قاد فيها الرئيس البلاد. فقد اتسمت المأموريتان بنهج قائم على التهدئة، وتغليب منطق الدولة على منطق الصراع، في سياق عالمي بالغ التعقيد، طبعته أزمات متلاحقة من جائحة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة.
وفي خضم هذه التحولات، اختار الرئيس أسلوب “الإدارة الهادئة”، بعيدًا عن التوترات الحادة، وهو خيار ساهم في الحفاظ على قدر معتبر من الاستقرار الداخلي، وإن كان ذلك على حساب الحضور الإعلامي أو التعبئة السياسية الصاخبة.
الحقيقة الثالثة ترتبط بحصيلة الإنجاز. فبعيدًا عن الضجيج، شهدت البلاد إطلاق مشاريع هيكلية في مجالات البنية التحتية والخدمات الأساسية، إلى جانب تدخلات اجتماعية استهدفت الفئات الهشة.
غير أن هذه الإنجازات، بحكم ضعف التسويق السياسي والإعلامي، لم تحظ بالزخم الذي يجعلها تتحول إلى رصيد تعبوي واضح، وهو ما يطرح سؤالًا حول العلاقة بين الفعل التنموي وآليات تقديمه للرأي العام.
أما الحقيقة الرابعة، فهي ذات طابع شخصي لكنها تعكس اتجاهًا أوسع في المزاج العام، مفاده أن تقييم التجربة لا ينبغي أن يختزل في مسألة الترشح من عدمه، بل في ما تحقق من استقرار وإنجاز. بل إن إعلان عدم الترشح، إن تأكد، قد يعزز صورة الالتزام بروح الدستور والتداول السلمي على السلطة، وهو ما من شأنه أن يرسخ تقاليد سياسية تحتاجها البلاد في هذه المرحلة، وهو ما يزيد من رصيد رئيس الجمهورية وحتى وهو خارج السلطة.
في المحصلة، يبدو أن الحوار المرتقب لن يكون مجرد محطة عابرة، بل لحظة مفصلية لإعادة تشكيل الحقل السياسي على أسس جديدة. فالأغلبية مطالبة ببناء مشروع سياسي متماسك يتجاوز الشخصنة، والمعارضة مدعوة لتطوير خطاب بديل قائم على البرامج الواقعية. وبين هذا وذاك، يظل الرهان الأكبر هو تحويل هذا الظرف إلى فرصة لتعزيز الثقة بين الفاعلين السياسيين، وترسيخ قواعد لعبة ديمقراطية أكثر نضجًا، قوامها احترام الدستور، وتغليب المصلحة الوطنية، والانخراط في تنافس سياسي مسؤول.