*محمد عبد الله ولد بين يتذكر:*  *محمد المصطفى ولد محمد لحمد “الصافي”*   *حين يتحول المعلّم إلى مدرسة في الأخلاق والمعرفة

في حياة الإنسان محطات لا تُمحى، ووجوه تبقى راسخة في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات، لأن أثرها لم يكن عابرا، بل كان تأسيسا عميقا للروح والعقل والوجدان. ومن أولئك الرجال الذين يخلّدهم الوفاء وتزكيهم أعمالهم، المعلم الفاضل: محمد المصطفى ولد محمد لحمد “الصافي”، مدير مدرسة مونكل، ومدرس القسم السادس، والمربي الذي جمع بين صرامة العلم ورحمة الأبوة، وبين هيبة المعلم ونبل الإنسان.

لم يكن “الصافي” مجرد موظف يؤدي ساعات عمله داخل فصل دراسي، بل كان رسالة تربوية متكاملة، ورجلا حمل التعليم باعتباره صناعة للإنسان قبل أن يكون تلقينا للمعلومات. ولذلك بقي أثره ممتدا في نفوس تلامذته، لأن المعلم الحقيقي لا يكتفي بملء العقول، وإنما يضيء الأرواح أيضا.

كان ـ رحمه الله ـ معلما حنونا، يدرك أن الطفل لا ينمو بالمعرفة وحدها، وإنما ينمو كذلك بالكلمة الطيبة والابتسامة المشجعة والعدل بين التلاميذ. فكان قريبا من الجميع، يمازحهم دون أن تسقط هيبته، ويحتوي ضعفهم دون أن يهدر قيمة الاجتهاد، ويغرس فيهم الثقة بأنفسهم قبل أن يغرس فيهم قواعد النحو وأساليب التعبير.

وكان كفؤا رصينا، يمتلك من أدوات التعليم ما يجعل الدرس رحلة ممتعة لا عبئا ثقيلا. فقد كانت معارفه الجمة تتدفق بسلاسة عجيبة، يقدمها لتلامذته وفق منهج تربوي رفيع: من السهل إلى الصعب، ومن البسيط إلى المركب، ومن المعلوم إلى المجهول، حتى يشعر التلميذ أن المعرفة تنمو داخله طبيعيا دون عناء أو ارتباك. وهكذا استطاع أن يحول اللغة العربية من مادة جامدة إلى عالم حي نابض بالفهم والجمال.

تعلمنا على يديه التحرير اللغوي، وأسرار القواعد النحوية، ودقة التعبير، لكننا تعلمنا قبل ذلك معنى الانضباط، واحترام الآخر، والصدق في العمل، والعدل في الحكم. فقد كان ـ رحمه الله ـ عادلا بين تلامذته، لا تحكمه الأهواء ولا العصبيات، وإنما يقيس الناس بالجد والاجتهاد والأخلاق. ولذلك أحبه المتفوقون لأنهم وجدوا فيه من يقدر التفوق، وأحبه الضعفاء لأنهم وجدوا فيه صدرا رحبا وصبرا جميلا.

ولم يكن حضوره مقتصرا على المدرسة وحدها، بل كان مصلحا لذات البين، وحكما بين المتخاصمين، بما أوتي من علم و حكمة ورجاحة عقل وهدوء طبع، فهو فوق هذا وذاك كان عالما فقيها عاملا بأحكام الشريعة الاسلامية. وهي خصال لا تصنعها الشهادات، وإنما تصنعها التربية الأصيلة والنفوس الكبيرة. فالمعلم العظيم لا ينتهي أثره عند السبورة، بل يمتد ليصبح مرجعا أخلاقيا واجتماعيا داخل مجتمعه.

لقد كان سيدي محمد المصطفى “الصافي” نموذجا لذلك الجيل من المعلمين الذين كانوا يربون بالقدوة قبل الكلام، ويعلمون بالسلوك قبل الدرس، ويؤمنون أن بناء الإنسان أعظم من بناء الجدران. ولهذا بقيت صورته في الذاكرة نقية مشرقة، كلما مرت السنون ازداد حضوره جمالا ووفاء.

وفي هذه الأيام المباركة، أواخر عشر ذي الحجة، تتجدد الذكرى، ويقف القلب بخشوع أمام سيرة رجل أفنى عمره في تعليم الأجيال وخدمة الناس وإصلاح ذات البين. فنسأل الله الكريم الرحيم أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجعل ما علمه ونشره من خير في ميزان حسناته، وأن يبارك في عقبه وذريته، وأن يجزيه عن تلامذته ووطنه خير الجزاء.

رحم الله معلمي وأستاذي وسيدي محمد المصطفى ولد محمد لحمد “الصافي”، فقد كان معلما عظيما، وكان إنسانا أكبر من الكلمات.

زر الذهاب إلى الأعلى