*محمد عبد الله ولد بين يكتب :/من الصدمة إلى التكيف:* كيف تواجه الدول اختناقات الإمداد ؟*حكومة موريتانيا نموذجًا ؛*

لم تعد اختناقات سلاسل الإمداد حدثًا عابرًا في الاقتصاد العالمي، بل تحوّلت إلى سمة بنيوية في مرحلة تتسم بتقلبات حادة، تتداخل فيها الأزمات الجيوسياسية مع اضطرابات الطاقة والغذاء والنقل. وقد وجدت دول عديدة نفسها أمام اختبار صعب: إما الارتهان لارتدادات السوق الدولية، أو الانتقال إلى منطق التكيّف الاستباقي. وفي هذا السياق، تبرز التجربة الموريتانية بوصفها نموذجًا يسعى إلى تحويل الصدمة إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وبناء قدر من المناعة الاقتصادية والاجتماعية.
على المستوى الاقتصادي، أدركت الحكومة أن اختناقات الإمداد ليست مجرد نقص مؤقت في السلع، بل تهديد مباشر لاستقرار الأسعار وللقدرة الشرائية. ومن هنا، *جاء التوجه نحو تنويع مصادر التموين* وتعزيز الشراكات الإقليمية، خاصة في مجالات الطاقة والوقود والغاز، بما يضمن انسيابية الإمدادات ويقلل من كلفة التبعية للأسواق البعيدة. كما رافق ذلك اعتماد سياسات ترشيد الإنفاق العمومي، ليس كخيار تقشفي ضيق، بل كأداة لإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر حساسية وتأثيرًا في حياة المواطنين.
غير أن البعد الاقتصادي لم يكن منفصلًا عن نظيره الاجتماعي. فقد أظهرت الحكومة وعيًا بأن الأزمات، مهما كانت طبيعتها، تدفع كلفتها الفئات الهشة أولًا. ولذلك، تم إطلاق برامج دعم مباشر شملت عشرات الآلاف من الأسر المتعففة، إلى جانب رفع الحد الأدنى للأجور، في خطوة تهدف إلى امتصاص جزء من صدمة الغلاء. هذه الإجراءات لا تعكس فقط استجابة ظرفية، بل تعبر عن تصور أعمق لدور الدولة كضامن للتوازن الاجتماعي في أوقات الشدة.
وفي موازاة ذلك، برز البعد التنظيمي من خلال تشديد الرقابة على الأسواق، والتصدي للمضاربات والإحتكار والتهريب، وهي ممارسات تتغذى عادة على فترات الندرة والاضطراب. فإعادة الانضباط للسوق ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي شرط أساسي لاستعادة الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين وحماية المستهلك من جشع غير مبرر.
أما من الناحية السياسية، فإن إدارة هذه المرحلة تتطلب خطابًا مسؤولًا يوازن بين المصارحة والتطمين. وقد سعت الحكومة إلى ترسيخ هذا التوازن، من خلال تأكيدها على خطورة الظرف الدولي، مقابل إبراز الإجراءات المتخذة للتخفيف من آثاره. وهو ما يعكس إدراكًا بأن الثقة العامة تمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح أي سياسة اقتصادية.
ولا يقل البعد الأخلاقي أهمية عن باقي الأبعاد، إذ إن الأزمات تكشف في جوهرها عن طبيعة الخيارات القيمية للدولة. وفي الحالة الموريتانية، يبدو أن هناك ميلًا واضحًا نحو تغليب مبدأ العدالة في توزيع الأعباء، بحيث لا تتحمل الفئات الضعيفة وحدها كلفة الاختلالات العالمية. فالدعم الاجتماعي، والرقابة على الأسواق، والسعي إلى إعادة توزيع الثروة، كلها مؤشرات على توجه يرمي إلى حماية الكرامة الإنسانية قبل أي اعتبار آخر.
ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اتخاذ القرارات، بل في استدامتها وتحويلها إلى مسار إصلاحي متكامل. فاختناقات الإمداد قد تنحسر، لكن آثارها قد تستمر إن لم تُستثمر اللحظة لإعادة بناء أسس أكثر صلابة للاقتصاد الوطني، تقوم على الإنتاج، والتنويع، وتعزيز الاكتفاء النسبي.
في المحصلة، تُظهر التجربة الموريتانية أن التكيّف مع الأزمات ليس مجرد رد فعل، بل هو عملية واعية تتطلب تضافر الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية. وما تحقق حتى الآن يعكس نهجًا يستحق التثمين، لأنه لا يكتفي باحتواء الأزمة، بل يسعى إلى تحويلها إلى نقطة انطلاق نحو توازن أشمل وعدالة أعمق.

زر الذهاب إلى الأعلى