محمد عبد الله ولد بين يكتب:/ “بين الشارع والقصر:” أيهما يخدم الوطن في زمن الأزمات؟* 

في لحظةٍ وطنية دقيقة، حيث تتشابك التحديات الاقتصادية مع التحولات الإقليمية والدولية، يصبح الخطاب السياسي أكثر من مجرد موقف عابر؛ إنه اختبار حقيقي لمدى نضج الفاعلين السياسيين وقدرتهم على تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الظرفية.

إن تصريح نائب رئيس حزب “تواصل” محمد ولد محمد امبارك الذي يدعو إلى “الشارع بدل القصر” قد يبدو، في ظاهره، تعبيراً عن انحيازٍ لهموم المواطن، لكنه في عمقه يطرح إشكالية جوهرية: هل تُخدم مصلحة المواطن فعلاً بتأجيج الشارع في لحظة هشّة، أم بتوحيد الجهود وتكثيف قنوات الحوار لاحتواء الأزمة؟

لا أحد ينكر أن ارتفاع أسعار المحروقات يثقل كاهل المواطنين، وأن الضيق المعيشي واقعٌ ملموس. لكن السؤال الأهم: هل تتحول هذه المعاناة إلى منصة للمزايدة السياسية، أم إلى دافع لتغليب الحكمة والعمل المشترك؟

إن اللقاءات التي جمعت أطرافاً من المعارضة مع رئيس الجمهورية لا يمكن اختزالها في كونها “خدمة للنظام”، بل هي، في جوهرها، إحدى أدوات العمل السياسي الرشيد. فالدول لا تُدار بمنطق القطيعة الدائمة، ولا تُبنى بالاصطفاف الحاد، وإنما بتوازنٍ دقيق بين النقد المسؤول والمشاركة الواعية.

ثم إن الدعوة إلى الشارع، في هذا الظرف بالذات، تستدعي كثيراً من التبصّر. فالشارع ليس مجرد وسيلة ضغط، بل فضاء حساس قد تنزلق فيه الأمور من التعبير السلمي إلى الفوضى غير المحسوبة، خاصة في بيئة إقليمية مضطربة. فهل من الحكمة أن نفتح أبواباً قد يصعب إغلاقها؟

إن المعارضة، في جوهرها، ليست نقيضاً للدولة، بل شريكٌ في صيانتها. ودورها لا يقتصر على رفع سقف الخطاب، بل يتجلى أيضاً في تقديم البدائل الواقعية، والمساهمة في تهدئة الأجواء حين تستدعي الضرورة ذلك. فالوطن ليس ساحة صراع صفري، بل كيانٌ جامعٌ يتسع للجميع.

وفي هذا السياق، فإن الاختلاف داخل صفوف المعارضة حول منهج التعاطي مع السلطة ليس عيباً في حد ذاته، بل قد يكون مصدرَ غنى إذا أُحسن توظيفه. غير أن تحويل هذا الاختلاف إلى مزايدات علنية، خاصة في أوقات الأزمات، قد يضعف ثقة المواطن في الطبقة السياسية ككل.

إن المرحلة الراهنة لا تحتمل خطابات التشكيك بقدر ما تحتاج إلى خطاب جامع، يُطمئن المواطن، ويُعزز الثقة، ويُشجع على التكاتف. فحين يواجه الوطن تحديات اقتصادية، يصبح من الأولى أن تتجه الجهود نحو تخفيف الأعباء، لا تعميق الانقسامات.

ليس المطلوب من المعارضة أن تصمت، ولا من الحكومة أن تُعفى من النقد، بل المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات: أن يكون المواطن أولاً، والوطن دائماً، والسياسة في خدمة الاثنين، لا العكس.

وفي الأخير، يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل الفاعلين: هل نحن أمام لحظة تستدعي تسجيل النقاط، أم أمام لحظة تفرض توحيد الصفوف؟

الجواب، في تقدير العقلاء، واضح… لكنه يحتاج إلى شجاعة سياسية لترجمته إلى مواقف.

“ولعل المتابع لا يغفل عن أن الرهان على الشارع ظل خياراً مفضلاً لدى بعض الفاعلين، كما برز خلال موجة ما سُمّي بـ’الربيع العربي’، حين اعتُبر الحراك الشعبي أداةً للتغيير السريع. غير أن التجارب في أكثر من بلد أظهرت أن الانزلاق نحو منطق الشارع دون ضوابط قد يقود إلى مآلات معقدة، لا تُختزل في انتقال السلطة فقط، بل تمتد إلى استقرار الدول ومؤسساتها. ومن ثمّ، فإن استدعاء تلك اللحظة التاريخية اليوم يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل الهدف هو خدمة المواطن في ظرفه الراهن، أم إعادة استنساخ رهانات سياسية أثبت الواقع أنها تحتاج إلى قدر كبير من المراجعة والتبصّر؟”

زر الذهاب إلى الأعلى