محمد عبد الله ولد بين ؛يكتب: حين تُقنَّع الحرب بعباءة السلام:*عنف القوة وهيمنة المصالح في عالم غير متكافئ*

ليس التناقض في تسمية “وزارة الدفاع” مجرد مفارقة لغوية، بل هو عنوان لمنظومة كاملة تُعيد تعريف العدوان بوصفه دفاعًا، وتُسوّق الهيمنة باعتبارها حماية للنظام الدولي. في هذا العالم، لا تُشن الحروب دائما بالدبابات، بل تدار أيضا بالكلمات، حيث تتحول اللغة إلى سلاح مواز يخفي الحقيقة بدل أن يكشفها.
ما يسمّى “السلام بالقوة” ليس سوى إعادة إنتاج قديمة لفكرة فرض الإرادة على الضعفاء، لكن بوسائل أكثر حداثة وغطاء أخلاقي مُحكم. القوى الكبرى لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تسعى إلى السيطرة على الرواية: من هو المعتدي؟ من هو الضحية؟ ومن يملك حق تعريف الاثنين؟
في *قطاع غزة* ، يتجلى هذا الانحراف بوضوح قاس. يرفع شعار “حق الدفاع”، بينما تمحى أحياء كاملة ويباد شعب في مجازر ويدفع المدنيون ثمن صراعات لا يملكون أدواتها. هنا، لا يكون العجز الدولي مجرد فشل، بل يصبح تواطؤًا صامتا، حيث تترك الشعوب الأضعف لمصيرها تحت مبررات قانونية مُفرغة من معناها الإنساني.
وفي فينزويلا، تُدار الحرب بشكل آخر: خنق اقتصادي طويل الأمد واختطاف رئيسها وسجنه. والعقوبات ليست مجرد أداة ضغط، بل شكل من أشكال الحصار الذي يستهدف مجتمعًا بأكمله. يُقال إنها دفاع عن الديمقراطية، لكن نتائجها على الأرض تكشف واقعًا مختلفًا: إنها معركة على من يملك الحق في التحكم بثروات البلاد، وفي مقدمتها النفط.
أما فكرة شراء جزيرة اكريلاند ، فلم تكن زلة سياسية عابرة، بل تعبيرًا صريحًا عن عقلية ترى العالم سوقًا مفتوحة، حيث يمكن اختزال الأوطان في قيمتها الاستراتيجية. الأرض، في هذا المنطق، ليست هوية ولا سيادة، بل مورد قابل للتملك.
وفي *إيران* ، يُعاد إنتاج نفس السيناريو بلغة أكثر توترًا: تهديدات، عقوبات، واستعراض للقوة تحت عنوان “منع الخطر”. لكن خلف هذه العناوين، يكمن صراع أعمق على النفوذ، وعلى من يحدد قواعد اللعبة في منطقة تختزن أحد أهم مفاتيح الطاقة في العالم.
هنا يظهر الوجه الحقيقي للمعادلة: النفط ليس مجرد مورد، بل هو أداة سيطرة. والدولار ليس مجرد عملة، بل هو آلية لإخضاع الاقتصاد العالمي. عندما تُربط أسعار الطاقة بـالدولار الأمريكي، فإن السيطرة لا تكون فقط على الموارد، بل على النظام المالي الذي يدير العالم. ومن يخرج عن هذه القاعدة، يُعاقَب—سياسيًا أو اقتصاديًا أو حتى عسكريًا.
أما الأمم المتحدة، فتقف في قلب هذا المشهد كرمزٍ لشرعيةٍ مُعلّقة. قرارات تُصدر ولا تُنفذ، إدانات لا تغيّر الواقع، ومؤسسة تُفترض أنها حارسة السلم، لكنها تُقيد بإرادة الأقوى. في هذا السياق، لا يعود السؤال لماذا تفشل، بل كيف يمكنها أن تنجح أصلًا ضمن ميزان قوى مختل بهذا الشكل.
إن “السلام بالقوة” ليس سلامًا، بل هدنة تُفرض بشروط المنتصر. وما يُقدَّم على أنه استقرار، هو في كثير من الأحيان تثبيت لواقع غير عادل. الدول الضعيفة لا تُمنح فرصة الدفاع عن نفسها، بل تُطالب بالتكيف مع منظومة تُدار ضدها.
في النهاية، لا يكمن الخطر فقط في استخدام القوة، بل في القدرة على تبريرها أخلاقيًا، وتحويلها إلى ضرورة لا بديل عنها. حينها، لا يصبح العالم أكثر أمانًا، بل أكثر خضوعًا—حيث يُطلب من الضعفاء أن يقبلوا بما يُفرض عليهم، باسم السلام.
وهنا، ينقلب السؤال:
هل ما نعيشه هو نظام دولي يحمي السلم، أم نظام يُعيد إنتاج الهيمنة… بلغة أكثر خداعًا وتزييفًا للوعي.