محمد عبد الله ولد بين يكتب:* عالمٌ بلا بوصلة… بين تهوّر القوة وغياب الحكمة

لم تعد التحولات التي يشهدها العالم مجرد اختلافات في السياسات أو تباينات في المصالح، بل أخذت طابعًا أعمق يمسّ جوهر النظام الدولي نفسه. نحن أمام لحظة تاريخية يتراجع فيها منطق القواعد لصالح منطق القوة، ويتقدّم فيها الارتجال السياسي على حساب الحكمة الاستراتيجية، بما يفضي في محصلته إلى شكل من أشكال “القهر السياسي” الذي لا تضبطه مرجعية أخلاقية جامعة.

من نظام القواعد إلى فوضى الصفقات

إن عودة النزعة القومية المتشددة ليست مجرد تحوّل داخلي في بعض الدول الكبرى، بل إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة من الحوكمة العالمية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. فحين تصبح المؤسسات الدولية موضع تشكيك من صانعيها أنفسهم، فإن ذلك لا يعني إصلاحها، بل تقويضها من الداخل.

بهذا المعنى، لم يعد العالم يُدار وفق قواعد متفق عليها، بل عبر صفقات ظرفية، تُقاس فيها الشرعية بميزان القوة لا بميزان القانون. وهذه النقلة تُضعف الدول المتوسطة والصغرى، وتضعها أمام بيئة دولية مضطربة، تتآكل فيها الضمانات، وتتراجع فيها الثقة.

عودة الجيوبوليتيك الخشن

في هذا السياق، تعود الجغرافيا السياسية بأدواتها القديمة: النفوذ، المجال الحيوي، والتحكم في الموارد. لم يعد الحديث عن السيادة محكومًا بالقانون الدولي بقدر ما أصبح رهينًا بالقيمة الاستراتيجية. وهو ما يعكس انتكاسة واضحة لمبدأ طالما اعتُبر حجر زاوية في الاستقرار الدولي: عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.

إنها عودة إلى عالم بلا أقنعة، حيث تُقال الأشياء كما هي: القوة أولاً، وما عداها تفاصيل.

تحالفات بلا قيم

أما التحالفات الدولية، فقد بدأت تفقد معناها القيمي، لتتحول إلى ترتيبات نفعية بحتة. لم تعد الشراكات تُبنى على رؤية مشتركة، بل على حسابات الكلفة والعائد. وهذا التحول لا يهدد فقط تماسك التكتلات الكبرى، بل يفتح الباب أمام أخطاء استراتيجية قد تكون كلفتها باهظة، خاصة في مناطق التوتر.

القهر السياسي وغياب القيادة الأخلاقية

في ظل هذا المشهد، يتشكل إحساس عالمي متزايد بأن العالم يُدار بلا حكمة، وأن القرارات الكبرى لم تعد تعكس مسؤولية أخلاقية بقدر ما تعكس اندفاعًا غير محسوب. هذا هو جوهر القهر السياسي الجديد: أن تُفرض الوقائع دون أن تُقنع، وأن تُدار الأزمات دون أن تُحل.

إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط اختلال ميزان القوى، بل غياب القيادة الأخلاقية القادرة على توجيه هذا الميزان. فالتاريخ يعلّمنا أن القوة، حين تنفصل عن القيم، تتحول إلى مصدر اضطراب لا إلى أداة استقرار.

العالم العربي بين سؤال التراجع وإمكان النهوض

وسط هذه التحولات، يبرز سؤال لا يقل إلحاحًا: أين يقف العالم العربي؟

هل نحن أمام مرحلة عابرة من الضعف، أم أمام أزمة أعمق في البنية السياسية والفكرية؟

بل هل يمكن أن يكون التاريخ بصدد إعادة توزيع أدوار الفعل الحضاري داخل المجال الإسلامي، بحيث تتقدم قوى جديدة على حساب تراجع الدور العربي؟

إنه سؤال مفتوح، لا تحسمه الخطابات ولا الشعارات، بل تجيب عنه سنن التاريخ وأفعال الأمم. وهو ما يذكّرنا بقوله تعالى:

﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾

 

إذا كان العالم يتجه اليوم نحو نظام تُديره القوة بلا ضابط، وتغيب عنه القيادة الأخلاقية، فإن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقًا باتجاه التاريخ، بل بمن يمتلك القدرة على صناعته.

فهل ما نعيشه مجرد اضطراب عابر في ميزان القوى،

أم أننا أمام لحظة انتقال حضاري تُعيد توزيع أدوار الفاعلين في العالم؟

وهل سيبقى العالم العربي في موقع المتلقي لهذه التحولات،

أم يستطيع أن يستعيد موقعه كفاعل في رسم ملامح النظام الدولي القادم؟

ذلك هو جوهر الإشكالية… والسؤال الذي سيجيب عنه المستقبل، لا الخطاب.

زر الذهاب إلى الأعلى