*محمد عبد الله ولدبين* يكتب  *حين تلتقي المحظرة بالمدرسة:* *معركة الهوية في قاعة الدرس* 

 

ليس الجدل حول التعليم في موريتانيا مجرد نقاش تقني حول المناهج والبرامج، بل هو في جوهره سؤال عميق عن هوية المجتمع واتجاهه الحضاري. فكل حديث عن المدرسة أو المحظرة إنما يخفي خلفه سؤالًا أكبر: أي موريتانيا نريد؟ موريتانيا الجذور أم موريتانيا العولمة؟ أم موريتانيا القادرة على الجمع بين الاثنين دون أن تفقد ذاتها؟

لقد عاشت البلاد قرونًا طويلة تحت ظلال المحظرة، تلك المؤسسة العلمية التي لم تكن مجرد مكان للتعليم، بل كانت منظومة معرفية متكاملة تُنشئ العقل وتُهذب الروح وتُؤسس للانتماء الثقافي. في فضاءاتها المفتوحة تخرّج علماء حملوا الفقه المالكي وعلوم العربية إلى آفاق بعيدة، حتى صار اسم شنقيط مرادفًا للعلم في كثير من الحواضر الإسلامية.

ولم تكن المحظرة يومًا مؤسسة منعزلة عن العالم؛ فقد تحولت، بغير تخطيط رسمي، إلى مدرسة دبلوماسية متنقلة.

كان التاجر الشنقيطي حين يسافر يحمل معه بضاعته وكتبه، وكان طالب العلم حين يهاجر يحمل محفوظاته ومتونَه، فينشر ما تعلمه في أرجاء واسعة من إفريقيا والمغرب العربي. وهكذا أصبحت المحظرة، في جوهرها، رسالة ثقافية عابرة للحدود، جعلت من الموريتاني عالمًا وسفيرًا للغة العربية والعلوم الشرعية في آن واحد.

غير أن رياح العصر حملت معها نموذجًا آخر: المدرسة الحديثة. مدرسة منظمة، لها برامجها وسلالمها الإدارية ومناهجها العلمية. جاءت لتعد الأطباء والمهندسين والإداريين، ولتفتح أبواب المجتمع أمام العلوم والتقنيات التي يقوم عليها عالم اليوم.

لكن المشكلة لم تكن يومًا في وجود النموذجين، بل في الطريقة التي أُديرت بها العلاقة بينهما. فقد تحوّل النقاش أحيانًا إلى مواجهة رمزية بين “مدرسة الماضي” و“مدرسة المستقبل”، وكأن المجتمع مطالب بأن يختار بين ذاكرته أو مستقبله.

وهنا يكمن الخطأ الأكبر.

*فالمجتمعات الحية لا تقطع جذورها كي تنمو،* كما أنها لا تكتفي بالحنين إلى الماضي كي تعيش في الحاضر. إن سر قوتها يكمن في قدرتها على تحويل التراث إلى طاقة حضارية، لا إلى متحفٍ مغلق.

إن المحظرة ليست مجرد أثر تاريخي يجب الحفاظ عليه بدافع الحنين، بل هي مدرسة للصرامة العلمية والانضباط اللغوي وبناء الشخصية المعرفية. والمدرسة الحديثة ليست خطرًا على الهوية، بل هي أداة لا غنى عنها لفهم العالم والمشاركة في صنعه.

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في الدفاع عن المحظرة ضد المدرسة، ولا في تحديث المدرسة على حساب المحظرة، بل في بناء جسر معرفي بينهما.

تخيلوا مدرسة موريتانية يتخرج فيها الطالب وهو يحمل متانة اللغة العربية التي تمنحها المحظرة، إلى جانب مهارات التفكير العلمي التي تمنحها المدرسة الحديثة. طالب يحفظ النصوص المؤسسة للثقافة، لكنه في الوقت نفسه قادر على التعامل مع التكنولوجيا والبحث العلمي. عقل متجذر في تراثه، ومنفتح في الوقت نفسه على العالم.

ذلك ليس حلما مستحيلا، بل هو الخيار الوحيد الواقعي.

فالدول التي نجحت في بناء أنظمتها التعليمية لم تفعل ذلك عبر القطيعة مع تراثها، بل عبر إعادة قراءته وتوظيفه في مشروع حضاري جديد.

ولهذا فإن مستقبل التعليم في موريتانيا لن يُبنى في معركة بين المحظرة والمدرسة، بل في لحظة مصالحة تاريخية بينهما. لحظة ندرك فيها أن المحظرة تمنحنا العمق، وأن المدرسة تمنحنا الأفق.

وحين يجتمع العمق والأفق… يولد التعليم الحقيقي.

زر الذهاب إلى الأعلى