محمد عبد الله ولد بين يكتب :*  *الفساد بين الشريعة والاقتصاد:* *حين تتحول الأمانة إلى معركة سياسية*

ليست مشكلة الفساد في الدول النامية مجرد خلل إداري أو انحراف فردي، بل هي في كثير من الأحيان معركة حقيقية حول معنى الدولة نفسها: هل هي أمانة لخدمة المجتمع، أم غنيمة تتقاسمها شبكات النفوذ والمصالح؟

لقد حسم الإسلام هذا السؤال منذ قرون حين قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فالآية لا تتحدث فقط عن سرقة مال، بل عن خيانة الأمانة العامة. ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى في الحديث المشهور:

“لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك”.

إنها رسالة واضحة: الاعتداء على المال العام ليس مجرد مخالفة إدارية، بل جريمة أخلاقية كبرى.

الفساد كاقتصاد خفي

في الواقع السياسي المعاصر، يتحول الفساد أحياناً إلى اقتصاد موازٍ غير معلن. فالرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ واختلاس المال العام ليست حوادث معزولة، بل قد تتحول إلى شبكة مصالح متشابكة تدافع عن نفسها بكل الوسائل.

هذا النوع من الفساد لا يقتصر على سرقة المال العام فقط، بل يتجاوز ذلك إلى:

تعطيل القوانين

الالتفاف على المساطر التسييرية

احتكار الفرص الاقتصادية

توجيه الثروة الوطنية لخدمة مجموعات محدودة

وفي هذه الحالة يصبح الفساد نظاماً غير مكتوب لإدارة الاقتصاد.

*الفساد والواقع السياسي في موريتانيا*

في السياق الموريتاني، لا يمكن فهم كثير من السجالات السياسية الراهنة دون إدراك أن الحديث عن الفساد لم يعد مجرد خطاب أخلاقي، بل أصبح جزءاً من الصراع السياسي نفسه.

فكلما ظهرت محاولات لإصلاح الإدارة أو فرض قدر أكبر من الانضباط في تسيير المال العام، تنشأ في المقابل مقاومة شرسة من شبكات المصالح التي اعتادت الاستفادة من الفوضى الإدارية والمالية.

وهنا يتحول النقاش من سؤال: كيف نحارب الفساد؟

إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً :

من يقف ضد الإصلاح، ولماذا؟

ليس سراً أن بعض لوبيات المصالح الاقتصادية والإدارية تفضّل بقاء الوضع كما هو، لأن الشفافية تهدد الامتيازات غير المشروعة التي تراكمت عبر سنوات طويلة.

ولهذا فإن أي محاولة لضبط المال العام قد تُواجَه أحياناً بحملات إعلامية أو سياسية أو حتى إلكترونية تهدف إلى تشويه النقاش وإرباك الرأي العام.

*المال العام بين الدولة والمجتمع*

المشكلة الأساسية في الفساد أنه لا ينهب المال فقط، بل ينهب الثقة أيضاً. فعندما يشعر المواطن بأن الثروة الوطنية لا توزَّع بعدالة، وأن فرص العمل والترقية لا تقوم على الكفاءة بل على العلاقات، فإن الإحباط يتسلل إلى الوعي الجماعي.

وهنا تتضرر قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم، حيث تتراجع جودة الخدمات نتيجة سوء التسيير أو تبديد الموارد أو غياب الرقابة الفعالة.

وعندما يتكرر ذلك، يتحول الفساد من سلوك فردي إلى ظاهرة بنيوية تضعف قدرة الدولة على تحقيق التنمية.

الدولة أمانة لا مجال للمجاملة فيها

تسيير الدولة ليس امتيازاً سياسياً ولا مكافأة شخصية، بل هو أمانة ثقيلة في أعناق كل من كُلِّف بمسؤولية عامة، سواء في التسيير أو الرقابة أو التفتيش.

وقد قرر الفقه الإسلامي قاعدة سياسية عميقة حين قال:

“تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة”.

أي أن كل قرار في إدارة الشأن العام يجب أن يكون موجهاً لخدمة المجتمع لا لخدمة شبكات النفوذ.

 

*معركة النزاهة: من المسؤول؟*

 

مكافحة الفساد ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل:

السلطة التشريعية التي تضع القوانين

السلطة التنفيذية التي تطبقها

الأجهزة الرقابية التي تتابع وتفحص

القضاء الذي يحاسب

الإعلام والمجتمع المدني اللذين يراقبان ويكشفان

وفيما يتعلق بالسلطة التشريعية تحديداً، تبرز أحياناً مفارقة لافتة في الحياة السياسية: فقد يصوّت بعض البرلمانيين على قانون داخل البرلمان، ثم يظهرون خارج قاعة التشريع في خطاب شعبوي يهاجمون آثاره أو يدّعون معارضة نتائجه.

هذه الازدواجية في الموقف لا تضعف فقط مصداقية العمل البرلماني، بل تساهم أيضاً في تضليل الرأي العام وإرباك النقاش حول السياسات العمومية. فالمسؤولية التشريعية تقتضي الانسجام بين التصويت داخل المؤسسات والخطاب أمام المواطنين، لأن التشريع ليس مجرد إجراء شكلي، بل التزام سياسي وأخلاقي تجاه المجتمع.

فالدولة التي تحارب الفساد بجدية هي دولة تعيد بناء العقد الأخلاقي بينها وبين المجتمع.

 

إن الفساد ليس مجرد مشكلة مالية، بل هو أزمة قيم وإدارة وثقة. والدول التي تتسامح معه إنما تضعف مؤسساتها بيدها وتفتح الباب أمام تعطيل التنمية.

أما الدول التي تختار طريق الإصلاح والشفافية، فإنها تخوض في الحقيقة معركة أخلاقية وسياسية في آن واحد.

ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه الشريعة في هذا المجال هو أن المال العام ليس ملكاً لأحد، بل هو حق للأمة كلها.

ولهذا يبقى السؤال الحاسم الذي يواجه كل مجتمع:

هل نريد دولة تُدار بمنطق الأمانة والمسؤولية، أم دولة تُدار بمنطق المصالح الضيقة؟

زر الذهاب إلى الأعلى