*الضرائب بين الفقه الإسلامي والشعبوية السياسية: “قراءة في الجدل المفتعل”/محمد عبدالله بين

في خضم الجدل السياسي الذي تشهده موريتانيا هذه الأيام، عاد إلى الواجهة حديث متكرر عن الضرائب، مصحوباً بضجيج إعلامي واسع ومحاولات لإضفاء طابع أخلاقي أو ديني على قضية هي في أصلها مسألة مالية وإدارية تتعلق بتدبير الشأن العام. غير أن المقلق في هذا النقاش ليس طرح السؤال حول العدالة الضريبية – وهو سؤال مشروع في كل دولة – بل تحويله إلى منصة للتحريض السياسي وتضليل الرأي العام.
لقد حاول بعض أصحاب الخطاب الشعبوي تصوير الضرائب وكأنها بدعة محرمة في الشريعة، أو اعتداء على أموال الناس، بينما يتجاهلون عمداً التراث الفقهي العميق الذي ناقش هذه المسألة بواقعية ووعي بطبيعة الدولة ومصالح المجتمع.
الضرائب في ميزان الفقه الإسلامي
الأصل في الشريعة أن مال المسلم مصون، ولا يجوز أخذه بغير حق. لكن الفقه الإسلامي لم يقف عند هذا الأصل المجرد، بل نظر إلى حاجات المجتمع ومصالح الدولة. ولهذا قرر عدد من كبار العلماء أنه إذا خلت خزينة الدولة من الموارد الكافية، واحتاجت الأمة إلى تمويل مصالحها العامة، جاز لولي الأمر فرض مال على القادرين بقدر الحاجة.
وقد نص على ذلك علماء كبار مثل
العز بن عبد السلام
الذي قرر أن مصالح الأمة إذا لم تجد مورداً في بيت المال جاز إلزام الأغنياء بما يسد الحاجة.
كما قرر
ابن تيمية
أن ما يفرضه الإمام لمصلحة عامة عادلة ليس من المكوس الظالمة التي ورد ذمها في النصوص، لأن الفرق كبير بين الجباية الجائرة وبين التكليف المالي المشروع الذي يحقق مصلحة المجتمع.
بل إن مؤسس علم الاجتماع السياسي
ابن خلدون
تناول الضرائب ضمن تحليله لقيام الدول وازدهار العمران، مبيناً أن الاعتدال في الجباية ضرورة لاستمرار الدولة واستقرارها.
الدولة الحديثة ومنطق الموارد
في الدولة الحديثة لم تعد الموارد العامة محصورة في الزكاة أو الغنائم كما كان الحال في بعض العصور، بل أصبحت الضرائب أحد أعمدة تمويل الخدمات العامة:
التعليم، الصحة، البنية التحتية، الأمن، وبرامج التنمية.
ومن هنا فإن تصوير الدولة وكأنها تستطيع أن تقوم بلا ضرائب ليس طرحاً فقهياً ولا اقتصادياً، بل وهم سياسي يغذيه الخطاب الشعبوي.
من النقاش الفقهي إلى التحريض السياسي
لكن ما يحدث اليوم في السجال الدائر حول الضرائب في موريتانيا يتجاوز النقاش الفقهي أو الاقتصادي، ليدخل في منطقة أخرى هي تسييس الغضب الشعبي وتحويله إلى أداة تصفية حسابات.
فقد ظهرت فجأة أصوات تدّعي الحديث باسم الشعب، وكأن الموريتانيين جميعاً فوضوا هذه الزمرة لتكون ناطقة باسمهم. ومع هذا الادعاء ظهرت أيضاً محاولات لتصنيع “رأي عام افتراضي” عبر تصويتات على وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بإقالة الوزير الأول
المختار ولد أجاي.
وهذه المسرحيات الرقمية لا تعبر عن إرادة شعبية حقيقية بقدر ما تعكس محاولة لتوجيه العقول واستثارة العواطف، في مشهد يشبه إلى حد بعيد ما بات يعرف في الفضاء الرقمي بظاهرة “الذباب الإلكتروني”.
بين النقد المشروع والغل السياسي
لا أحد ينكر أن من حق المواطنين مناقشة السياسات الاقتصادية، ومن حقهم أيضاً انتقاد القرارات الحكومية إذا رأوا فيها ظلماً أو سوء تدبير. لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول وبين التحريض القائم على الغل والحسد.
فالخطاب الذي يختزل السياسات العامة في معارك شخصية، أو يصور الدولة وكأنها خصم للشعب، لا يسهم في إصلاح الأوضاع بقدر ما يخلق حالة من التوتر والشك الدائم في كل مؤسسة.
وفي النهاية، تبقى إدارة الشأن العام مسؤولية مؤسسات الدولة التي يقودها رئيس الجمهورية
محمد ولد الشيخ الغزواني
وتنفذها الحكومة برئاسة الوزير الأول
المختار ولد أجاي
وفق البرنامج التنموي الذي أقرته المؤسسات الدستورية.
الخلاصة
إن تحويل مسألة الضرائب إلى معركة سياسية صاخبة لا يخدم الحقيقة ولا مصلحة الوطن. فالفقه الإسلامي نفسه يقرر أن التكاليف المالية قد تكون مشروعة إذا اقتضتها مصلحة المجتمع، بشرط العدل والشفافية وحسن التدبير.
أما الخطابات التي تتغذى على الحقد وتدعي احتكار صوت الشعب، وتستند إلى تصويتات افتراضية ومسرحيات رقمية، فهي في النهاية أقرب إلى الشعبوية منها إلى الفقه، وأقرب إلى الضجيج منها إلى الإصلاح.
فالأوطان لا تُدار بالصراخ، ولا تُبنى بالشائعات، بل بالعقل، والعدل، والعمل المسؤول.