التعليم بوصفه خيارا استراتيجيًا لبناء المواطنة/ محمد عبدالله بين

لم يعد خافيًا أن قضية التربية والتعليم لم تعد، في كثير من دول العالم، تحظى بالمكانة التي كانت تحتلها في سلم الأولويات الوطنية. فبينما كانت المدرسة ينظر إليها بوصفها الحاضنة الأولى لبناء الإنسان وتشكيل الوعي الجماعي، أصبحت في بعض السياقات ضحية ضغوط اقتصادية أو حسابات سياسية قصيرة المدى، مما أدى إلى تراجع الاستثمار في المعرفة لصالح أدوات السيطرة والإدارة الظرفية للأزمات.
وقد عبّر الزعيم الإفريقي الراحل *نيلسون مانديلا* عن هذه الحقيقة بعبارته الشهيرة: “إن التعليم هو السلاح الأقوى الذي يمكن استخدامه لتغيير العالم.”
هذه المقولة لم تكن مجرد حكمة عابرة، بل كانت خلاصة تجربة تاريخية أثبتت أن المجتمعات التي استثمرت في المدرسة والمعرفة استطاعت أن تؤسس نهضتها على أسس صلبة ومستدامة.
غير أن المشهد العالمي اليوم يكشف مفارقة واضحة؛ إذ إن بعض الحكومات باتت تميل إلى إعطاء الأولوية لوسائل الضبط والإقصاء بدل بناء الإنسان، وكأنها تؤجل مشروع المستقبل لصالح إدارة الحاضر. وفي مثل هذا السياق الدولي المتقلب، تبرز أهمية الخيارات السياسية التي تعيد الاعتبار للتعليم بوصفه أساسًا لأي مشروع وطني جاد.
في هذا الإطار، يمكن قراءة المقاربة التي تبناها رئيس الجمهورية الموريتانية محمد ولد الشيخ الغزواني منذ إعلانه الترشح لرئاسة الجمهورية سنة 2019. فقد كان واضحًا في خطابه السياسي أن إصلاح التعليم ليس بندًا ثانويًا في برنامج حكومي، بل هو خيار استراتيجي يهدف إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس المواطنة والعدالة في الفرص.
لقد جعل الرئيس من التعليم إحدى أولويات مشروعه الوطني، وهو ما تجسد عمليًا في تكليف الحكومات المتعاقبة بإطلاق إصلاحات عميقة في المنظومة التربوية، سواء على مستوى البنية المؤسسية أو البرامج أو البنية التحتية المدرسية. كما جاء اختيار المدرسة الجمهورية بوصفها رمزًا لهذا التوجه الاستراتيجي ليعكس رؤية سياسية واضحة مفادها أن المدرسة ليست مجرد فضاء للتعلم، بل هي مؤسسة لصناعة المواطن.
إن مفهوم المدرسة الجمهورية في السياق الموريتاني يتجاوز مجرد إصلاح تقني للمنظومة التعليمية، ليحمل بعدًا فلسفيًا ومجتمعيًا عميقًا؛ فهو يسعى إلى بناء فضاء تربوي يكرس قيم المساواة بين أبناء الوطن، ويؤسس لثقافة مشتركة تتجاوز الفوارق الاجتماعية والثقافية، وتضع الانتماء الوطني في صدارة منظومة القيم.
ومن هذا المنظور، فإن الإصلاح التربوي الذي تعمل حكومة ولد اجاي ، على تنفيذه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد سلسلة من الإجراءات الإدارية أو البرامج القطاعية، بل باعتباره جزءًا من مشروع مجتمعي أشمل، هدفه إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن عبر بوابة المدرسة.
فالمدرسة، حين تُبنى على أسس العدالة وتكافؤ الفرص، تصبح المختبر الحقيقي للديمقراطية الاجتماعية، حيث يتعلم الأطفال منذ سنواتهم الأولى معنى الانتماء إلى مجتمع واحد، يقوم على الحقوق والواجبات المشتركة.
ولا يمكن لأي إصلاح تعليمي أن يحقق أهدافه دون إعادة الاعتبار للمدرس، بوصفه الركيزة الأساسية للعملية التربوية. فالمعلم ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو حامل رسالة حضارية تتمثل في تنشئة الأجيال وتشكيل وعيها وقيمها. ومن هنا تبرز أهمية الدعوات المتكررة التي صدرت عن رئيس الجمهورية لإعادة الاعتبار للمدرس وتحسين ظروفه كلما سمحت بذلك الإمكانات.
إن تثمين جهود حكومة الوزير الأول المختار ولد اجاي ، في هذا المجال لا يعني الادعاء بأن الطريق قد اكتمل أو أن التحديات قد زالت؛ فإصلاح التعليم عملية تاريخية طويلة تتطلب صبرًا سياسيًا وإجماعًا مجتمعيًا واسعًا. غير أن الأهم هو وجود إرادة سياسية واضحة تعي أن مستقبل الأمم يُصنع في الفصول الدراسية قبل أن يُصنع في مراكز القرار.
وعليه، فإن الرهان الذي اختارته موريتانيا اليوم، تحت قيادة والرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وبتنفيذ من حكومة الوزير الأول المختار ولد اجاي هو رهان الاستثمار في الإنسان عبر المدرسة، وهو رهان قد يبدو بطيئًا في نتائجه، لكنه يبقى الطريق الأكثر أمانًا لبناء مجتمع متماسك يقوم على المواطنة والمعرفة والعدالة في الفرص.
فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي جعلت من التعليم قضية وطنية كبرى هي وحدها التي استطاعت أن تصنع مستقبلها بيدها، وأن تتحول من مجتمعات مستهلكة للمعرفة إلى مجتمعات منتجة لها.
وفي هذا المعنى، فإن المدرسة الجمهورية ليست مجرد إصلاح تربوي، بل هي في جوهرها مشروع لبناء مواطن جديد، يؤمن بأن الوطن يتسع للجميع، وأن التقدم الحقيقي يبدأ من الفصل الدراسي قبل أن يظهر في مؤشرات الاقتصاد والسياسة.