محمد عبد الله ولد بين يكتب:* *ترامب بين خطاب السلام ومنطق الحرب* *قراءة نفسية سياسية في العقل الأمريكي المعاصر*

منذ عودته إلى واجهة المشهد السياسي، يرفع دونالد اترمب شعار “صانع السلام”، ويقدّم نفسه بوصفه الرجل القادر على إيقاف الحروب وحماية المصالح الأمريكية دون استنزاف.
غير أن الوقائع على الأرض تكشف مفارقة صارخة بين الخطاب والممارسة؛ فالرجل الذي يتحدث عن السلام، يجد نفسه في قلب أكثر الملفات اشتعالا : دعم الحرب الإسرائيلية على غزة، الحرب مع إسرائيل على إيران، وتوسيع مفهوم “الأمن القومي الأمريكي” إلى درجة تبرر التدخل خارج الحدود.

هذه المفارقة لا يمكن فهمها فقط من خلال شخصية ترامب، بل ينبغي قراءتها ضمن بنية أعمق: البنية النفسية والسياسية للإمبراطورية الأمريكية نفسها.

لقد أدركت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أن الهيمنة لا تُدار بالقوة العسكرية وحدها، بل كذلك باللغة. ولهذا لم يكن غريبا أن تتحول “وزارة الحرب” الأمريكية سنة 1947 إلى “وزارة الدفاع”. التغيير بدا لغويا، لكنه في الحقيقة كان إعادة صياغة أخلاقية للصورة الأمريكية؛ فالحرب حين تسمى “دفاعا” تصبح أكثر قبولا لدى الرأي العام، حتى لو جرت آلاف الكيلومترات بعيدا عن التراب الأمريكي.
لكن ترامب، بخلاف السياسيين التقليديين، لا يحب الأقنعة البلاغية كثيرًا. إنه يتحدث بلغة القوة الصريحة، ويخاطب غرائز الخوف والتفوق لدى جمهوره. ولذلك يبدو أحيانا وكأنه يعيد إحياء الروح القديمة لـ “وزارة الحرب” حتى وإن بقي الاسم الرسمي “وزارة الدفاع”. إنه لا يرى العالم باعتباره فضاء للشراكة الدولية، بل ساحة صراع بين الأقوياء والضعفاء، بين من يفرض إرادته ومن يُفرض عليه.

ومن هنا نفهم تناقض “رئيس السلام” الذي يرعى الحروب. فالمقصود بالسلام في العقل الترامبي ليس العدالة أو التوازن، وإنما “السلام الأمريكي”؛ أي فرض الاستقرار بالشروط الأمريكية والإسرائيلية. السلام هنا ليس نقيض الحرب، بل نتيجة لها. ولهذا يمكن لترامب أن يدعم آلة الحرب الإسرائيلية في غزة، وأن يهدد إيران، ثم يصف نفسه في الوقت ذاته بأنه رجل سلام، لأنه يعتبر أن القوة الساحقة هي الطريق الأقصر لفرض النظام الذي تريده واشنطن.

أما ما يخص فنزويلا، فإن القضية تكشف جانبا آخر من العقل الإمبراطوري الأمريكي؛ فالولايات المتحدة تاريخيا لم تكن تنتظر دائما أن تهاجم حتى تتدخل. منذ عقيدة مونرو في القرن التاسع عشر، اعتبرت أمريكا اللاتينية مجالا حيويا خالصا لها، وأي نظام سياسي يخرج عن الفلك الأمريكي يُنظر إليه باعتباره تهديدا استراتيجيًا حتى لو لم يعتد عسكريا على واشنطن.

لذلك فإن ملاحقة قادة أو مسؤولين من دول معارضة للسياسة الأمريكية، واعتقال بعضهم أو فرض العقوبات عليهم، لا ينبع فقط من “نزوة شخصية” عند ترامب، بل من ثقافة سياسية أمريكية متجذرة ترى أن لأمريكا حقا استثنائيا في تأديب الخارج وإعادة تشكيله وفق مصالحها.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن شخصية ترامب تضيف بعدا نفسيا خاصا لهذا التوجه. فالرجل يحمل سمات الزعيم الشعبوي الذي يميل إلى استعراض القوة، ويؤمن أن الهيبة تبنى بالخوف لا بالإقناع. في خطابه حضور واضح لفكرة “التفوق الأمريكي”، بل وحتى “التفوق الشخصي”، وكأن الدولة تصبح امتدادا لذات الزعيم. ولذلك تتحول السياسة الخارجية أحيانا إلى مسرح لإثبات القوة الشخصية أكثر من كونها إدارة عقلانية للمصالح.

إن تاريخ الولايات المتحدة نفسه يقدم مراجع كثيرة لهذا النزوع الحربي: من إبادة السكان الأصليين، إلى حرب فيتنام، إلى غزو العراق وأفغانستان، وصولا إلى دعم انقلابات وحروب بالوكالة في مناطق عديدة من العالم. هذا التاريخ يكشف أن الحرب لم تكن استثناء في التجربة الأمريكية، بل كانت في أحيان كثيرة وسيلة لبناء النفوذ والاقتصاد والهيمنة.

لكن الفارق بين الإدارات الأمريكية التقليدية وترامب، أن الأولين كانوا يغلفون القوة بخطاب أخلاقي ودبلوماسي، بينما يميل ترامب إلى التعري اللفظي المباشر. إنه يقول ما كانت الدولة العميقة تفضل قوله همسا: “العالم يُحترم بالقوة”.

وهكذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ترامب رجل حرب؟ بل: هل يمثل ترامب انحرافا عن العقل الأمريكي أم أنه يكشف وجهه الحقيقي دون تجميل؟

ربما يكون ترامب مجرد مرآة صاخبة لإمبراطورية اعتادت الحديث عن الحرية وهي تخوض الحروب، وعن حقوق الإنسان وهي تدعم الاحتلالات، وعن السلام وهي تبيع السلاح للعالم.

وفي عالم كهذا، تصبح اللغة جزءا من المعركة:فـ “الحرب” قد تسمى دفاعا،والحصار قد يسمى عقوبات،والهيمنة قد تسمى حماية للنظام الدولي،لكن الضحايا وحدهم يظلون يعرفون الأسماء الحقيقية للأشياء.

زر الذهاب إلى الأعلى