المشروع الإصلاحي؛ بين إرادة الدولة وحملات التشويش / محمد عبد الله بين

CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 82?

يشهد المشهد السياسي الوطني مرحلة مفصلية عنوانها الإصلاح المؤسسي الشامل الذي أطلقه فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، بوصفه خيارًا استراتيجيًا لإعادة بناء الدولة على أسس الحكامة الرشيدة والعدالة الاجتماعية وتعزيز الوحدة الوطنية. وقد أسند رئيس الجمهورية قيادة هذا المسار التنفيذي إلى الوزير الأول المختار ولد اجاي، في إطار حكومة وُصفت بحكومة كفاءات، أوكلت إليها مهمة تنزيل التعهدات إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم.

*أولًا: طبيعة المشروع الإصلاحي وأبعاده*

يتأسس المشروع الإصلاحي على جملة مرتكزات مترابطة، يمكن تحليلها ضمن ثلاثة مستويات رئيسة:

المستوى المؤسسي والقانوني:

عبر محاربة الفساد وتعزيز آليات الشفافية والرقابة، بما يعيد الثقة بين المواطن والدولة، ويُخضع الوظيفة العمومية لمعيار الاستحقاق بدل الولاء أو الشبكات التقليدية.

المستوى الاجتماعي والثقافي:

من خلال السعي إلى تفكيك التراتبيات الاجتماعية غير العادلة، ومحاربة الفئوية والعنصرية، وإرساء مفهوم المواطنة الجامعة القائمة على المساواة أمام القانون. وهنا يبرز مشروع “المدرسة الجمهورية” باعتباره رافعة استراتيجية لإعادة صياغة الوعي الجمعي، وتكريس الهوية الوطنية المشتركة.

المستوى الاقتصادي التوزيعي:

عبر العمل على إعادة توزيع الثروة الوطنية بصورة أكثر عدلًا، وتوجيه الموارد العمومية نحو الفئات الأكثر هشاشة، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويحد من الفوارق المجالية.

إن هذه المستويات ليست منفصلة، بل تتكامل ضمن رؤية كلية تهدف إلى الانتقال من دولة تُدار بتوازنات ظرفية إلى دولة مؤسسات تُحكم بقواعد ومعايير.

*ثانيًا: ديناميات المقاومة وحملات التشويش*

من منظور علم السياسة، كل مشروع إصلاحي عميق يُنتج بالضرورة مقاومة من قِبل شبكات المصالح المتضررة. فالإصلاح حين يمس بنية الامتيازات التقليدية، ويعيد توزيع النفوذ والموارد، يهدد مراكز قوة قائمة.

في هذا السياق، يمكن قراءة الحملات الإعلامية والرقمية التي تستهدف قيادة المشروع – وخاصة الوزير الأول – ضمن ما يُعرف بـ”سياسات الإعاقة غير المباشرة”، حيث تُستخدم أدوات التشويه المعنوي، وصناعة الشك، وتضخيم الإخفاقات الجزئية لإضعاف الثقة في المسار العام.

الرهان في هذه الحملات لا يكون غالبًا إسقاط شخص بقدر ما يكون:

إرباك الرأي العام.

تقويض الانسجام داخل الفريق الحكومي.

زرع التردد في مسار اتخاذ القرار.

غير أن التجارب المقارنة تُظهر أن فعالية هذه الأساليب تبقى رهينة بمدى صلابة المؤسسات ووضوح الرؤية السياسية.

*ثالثًا: سؤال «فماذا بعد؟» —* سيناريوهات المسار

الإجابة عن سؤال “فماذا بعد؟” تقتضي الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق ترسيخ الإنجاز، وذلك عبر ثلاثة مسارات:

تعزيز التواصل السياسي المؤسسي

إذ لا يكفي تنفيذ الإصلاح، بل ينبغي شرح منطقه ونتائجه للرأي العام بلغة شفافة، تُحاصر الإشاعة بالمعلومة، وتواجه التضليل بالبيان المدعوم بالأرقام.

تحصين المشروع بالإنجاز الملموس

فنجاح أي مشروع إصلاحي يقاس بآثاره على الحياة اليومية للمواطن: تحسن الخدمات، فرص العمل، عدالة الفرص، وتكافؤ الولوج إلى الموارد.

توسيع الحاضنة الاجتماعية للإصلاح

عبر إشراك الفاعلين السياسيين والمجتمعيين والنخب الفكرية في تقييم ومواكبة السياسات العمومية، بما يحول المشروع من برنامج حكومي إلى تعاقد وطني جامع.

إن مسار الإصلاح، بطبيعته، طويل النفس، متدرج النتائج، ومحفوف بالتحديات. غير أن قوة أي مشروع لا تُقاس بغياب معارضيه، بل بقدرته على الصمود أمام التشويش، وتحويل النقد – المشروع منه وغير المشروع – إلى فرصة للمراجعة والتحسين.

وفي نهاية المطاف، فإن سفينة الإصلاح لا تتعطل بضجيج عابر، ما دامت بوصلتها واضحة، وقيادتها ثابتة، ومشروعها مؤسسًا على إرادة سياسية معلنة، ورؤية استراتيجية متماسكة، وإيمان بأن بناء الدولة الحديثة هو مسؤولية تاريخية لا تحتمل التراجع.

زر الذهاب إلى الأعلى