محمد عبد الله ولد بين يرد على مقطع فيديو لواعظ :”اتقوا الله يا مرجفين”

حين تتحول الإشاعة إلى وعظ، والوعظ إلى أداة إثارة
من أخطر ما يصيب المجال العام أن تُنقل إليه الإشاعة بلباس الحكمة، وأن تُمرَّر المبالغة في هيئة موعظة، وأن يُستدرج أهل الخير – بحسن نية – إلى ترويج قصة لا تثبت على ميزان التحقق.
لقد فوجئ الناس بتهكم على ما سُمِّي *”ضرائب على المقابر”،* في صيغة توحي بأن الأحياء لم يسلموا من الجباية حتى طالت موتاهم. صورة ساخرة، مثيرة للعاطفة، سهلة الانتشار. لكنها – إلى حد الساعة – لا تقوم على واقع معلوم، ولا على قرار ثابت، ولا على نص قانوني منشور.
بين البلديات والبهتان
المقابر في العرف الإداري تابعة للبلديات، والبلديات مرفق خدمي عمومي، وليست خصمًا سياسيا. فإن كان ثمة رسم أو إجراء إداري، فله أطره القانونية، وله سبل الاستيضاح والمساءلة. أما أن يُحوَّل الأمر إلى مادة للسخرية والتحريض دون تثبت، فذلك خروج من دائرة النقد المشروع إلى دائرة الإثارة المقصودة.
والمستهدف في مثل هذه الضجة ليس مرفقًا بعينه، بل الثقة العامة ذاتها. حين يُضخَّم الأمر، ويُصاغ على نحو ساخر، فإن الرسالة الضمنية لا تتوقف عند المقابر، بل تمتد إلى تصوير الدولة في هيئة جابية لا ترحم، ولو كان الثمن إشاعة.
مسؤولية الواعظ قبل السياسي
الواعظ مؤتمن على الكلمة؛ وكلمته – بحكم موقعه – أبلغ أثرًا وأشد وقعًا من منشور عابر. فإذا نقل قصة غير متثبت منها، فإن الناس لا يتلقونها بوصفها رأيًا، بل بوصفها حقيقة ممهورة بخاتم المنبر.
وهنا يتأكد المعنى الأخلاقي العميق:
“كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكل ما سمع”.
ليس المقصود الحجر على النقد، ولا تحريم مساءلة السياسات العامة؛ بل المقصود أن يبقى النقد في دائرة الصدق، وأن لا يُبنى على رواية لم تُمحَّص، ولا على حكاية صيغت لاستدرار الاستهجان.
بين النقد والمرجفة
الفرق كبير بين ناقدٍ ينطلق من معلومة موثقة، ويريد تصحيحًا أو تقويمًا، وبين مرجفٍ يقتات على الإثارة، ويستثمر في الغضب الشعبي. المرجف لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الصدى. لا يعنيه الإصلاح، بل إشعال المزاج العام.
والأخطر حين يختلط الصوتان، فيُظَن أن كل صراخ نقد، وكل تهكم إصلاح.
البعد الأخلاقي: حرمة الكلمة وحرمة المقابر
للموتى حرمتهم، وللمقابر قدسيتها في وجدان المجتمع. واستدعاؤها في خطاب ساخر لأجل تسجيل موقف سياسي، أو تمرير رسالة مغلوطة، فيه تجاوز لحرمة المعنى قبل حرمة المكان.
والأخلاق العامة – قبل القانون – تقضي بأن لا تُستعمل المشاعر الدينية أداة ضغط، ولا تتحول الرموز الاجتماعية إلى منصات تهكم.
اتقوا الله يا مرجفين
إن إثارة الناس بخبر غير متحقق منه، أو تضخيم إجراء إداري إلى صورة كارثية، لا يخدم إصلاحًا ولا يبني وعيًا. بل يُضعف الثقة، ويؤسس لثقافة الشك الدائم، ويجعل المجتمع ساحة شائعات لا ساحة حوار.
فإن كان ثمة قرار، فليُناقش ببيان.
وإن كان ثمة خطأ، فليُصحح بالحجة.
وإن لم يكن شيء من ذلك، فحسب الناس أن يُصان وعيهم من العبث.
اتقوا الله في الكلمة.
واتقوا الله في المنبر.
واتقوا الله في وطنٍ لا يحتمل مزيدًا من الإثارة الكاذبة.