*حين يلتقي الفكر بالمسؤولية الوطنية :قراءةفي نجاح الندوةالتي نظمت حول الحوارالوطني المرتقب*

في سياق وطني دقيق تتجه فيه الأنظار إلى الحوار الوطني المرتقب بوصفه محطة مفصلية في مسار الدولة الموريتانية، نظّمت مجموعة من المراكز البحثية المستقلة ندوة فكرية تحت عنوان:
“الحوار المرتقب: التطلعات والمحاذير”، مساهمةً منها في تهيئة المناخ الفكري والسياسي لإنجاح هذا الاستحقاق الوطني.
وقد نظمت هذه الندوة انطلاقًا من قناعة راسخة مفادها أن الحوار ليس حدثًا سياسيًا عابرًا، بل هو فرصة تاريخية لإعادة بناء التوافق الوطني على أسس صلبة، قوامها المواطنة المتساوية، والعدالة، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات .
أولًا: السياق والأهداف
انعقدت الندوة في لحظة سياسية تتطلب قدرًا عاليًا من المسؤولية الوطنية. وكان هدفها الأساسي هو الإسهام العلمي والعملي في إنجاح الحوار المرتقب، من خلال:
-توضيح المفاهيم المتعلقة بالقضايا الأساسية علي اسس علمية بعيدة من الشعارات ذات البعد الإديولوجي الجامد
-تحديد الإشكالات الكبرى وتصنيفها بشكل يسهل معالجتها
-اقتراح مقاربات علمية لمعالجة الملفات والقضايا الخلافية.
لقد تعاملت الندوة مع الحوار باعتباره مسارًا تأسيسيًا، لا مجرد تفاوض سياسي ظرفي، بل فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة تعاقد وطني جامع.
ثانيًا: المنهجية وأجواء النقاش
تميّزت أعمال الندوة بطابع علمي رصين ومسؤول. فقد جمعت شخصيات سياسية، ومفكرين، وأكاديميين، وخبراء في العلوم الاجتماعية والقانونية، في فضاء حر و مفتوح وهادئ.
وقد اتسمت النقاشات بـ:
-عرض مختلف الآراء دون تعصب.
-بسط الحجج والمسوغات بروح يطبعها إلاحترام المتبادل.
-الابتعاد عن المزايدات والشعارات.
وعكست المداخلات مستوى رفيع من النضج السياسي والفكري لدى النخبة الوطنية، كما أظهرت استعدادًا حقيقيًا للبحث عن نقاط التلاقي بدل تكريس مساحات الاختلاف. وقد خرج المشاركون بانطباع إيجابي يعزز الثقة في قدرة الفاعلين الوطنيين علي تحقيق توافقات واعية ومسؤولة.
ثالثًا: الموقف من الحوار الوطني المرتقب
نصّت الوثيقة المرجعية للندوة بوضوح على أن:
“الحوار الوطني المرتقب يمثل فرصة تاريخية لبناء الدولة الموريتانية على أسس راسخة من التوافق الوطني، والتعددية، والعدالة.”
وهو نص صريح لا يحتمل التأويل، يؤكد أن الندوة لم تكن في موقع معارضة للحوار، بل جاءت مساهمة فكرية في تحضيره وترشيده.
إن نجاح أي حوار سياسي رهين بتهيئة أرضية معرفية واضحة، وضبط المفاهيم، وتحديد الإشكالات بدقة. وهذا ما سعت إليه الندوة، انسجامًا مع أدبيات الفكر السياسي المعاصر التي تؤكد أن الحوارات الوطنية الناجحة تقوم على:
-وضوح المرجعيات،
-تكافؤ الأطراف،
-اعتماد مقاربات علمية تستند إلى المعطيات الاجتماعية والتاريخية.
رابعًا: مقاربة واقعية لمعالجة القضايا الوطنية محل الخلاف
1. الوحدة الوطنية
أكدت الوثيقة أن تناول ملف الوحدة الوطنية يقتضي تحديدًا علميًا دقيقًا لمفهومها، في ظل التباين القائم حول هذا الموضوع . ودعت إلى الاحتكام إلى العلوم الاجتماعية والسياسية لبلورة تعريف يقوم على:
-المواطنة المتساوية
-الاندماج الاجتماعي
-الاعتراف بأن التنوع الثقافي في إطارثقافة وطنية جامعة مصدرقوة للدولة الموحدة ذات البعدالعربي الافريقي الاسلامي ليس نقطة ضعف او ثغرة يتم استغلالها لاضعاف الجسم الوطني
وهي مقاربة تنسجم مع المفهوم الحديث للدولة الوطنية، حيث تُبنى الوحدة على المواطنة الجامعة لا على تكريس الانقسام او الإقصاء أو استنساخ النماذج التي تتطابق مع الواقع الوطني
2. مخلفات الرق
تناولت الندوة هذا الملف باعتباره قضية حقوقية وتنموية في آن واحد. وأشارت إلى أن استمرار تداعياته يعود إلى تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية، وإلى تسييسه المتكرر.
ودعت الوثيقة إلى معالجته عبر سياسات عمومية تستهدف:
-الإدماج الاقتصادي والاجتماعي،
-تكافؤ الفرص،
-معالجة الأسباب البنيوية المعيقة لتجاوزه.
وهي مقاربة عملية تتجاوز الخطاب التعبوي نحو حلول مؤسسية تعالج الجذور بدل الاكتفاء بإدارة الملف او توظيفه سياسيًا.
3. مخلفات انتهاكات حقوق الإنسان
دعت الندوة إلى التعاطي مع ملف الإرث الإنساني بوصفه مجموع المظالم التي وقعت في ظل الدولة الوطنية منذ الاستقلال، مؤكدة ضرورة اعتماد مقاربة شاملة ومنصفة تستوعب جميع انتهاكات حقوق الإنسان دون اختزال زمني او عرقي وأوصت بدراسة موضوعية ومنصفة لكل حالة ، من حيث الظروف وحجم الإصرار وتسويتها باعتبارها تجاوزات قامت بها السلط التي حكمت البلد من خلال إجراءات تحقق :
– الإنصاف.
-جبر الضرر.
-المصالحة الوطنية
-وضع حد نهائي
ورغم الأجواء الهادئة التي طبعت أعمال الندوة، تم تداول اراء صادرة عن طرف قدم نفسه بصفته المسؤول عن الحوار والحارس له . وقد تضمنت تلك الاراء :
-اتهام المنظمين بالوقوف ضد الحوار.
-ووصتهم بقوى مناهضة للوحدة الوطنية.
-الادعاء بتوظيف قضايا حساسة لإثارة المخاوف.
غير أن العودة إلى الوثيقة المرجعية للندوة تكشف بوضوح أن هذه الاتهامات لا تستند إلى مضمون الندوة، بل تقوم على احكام مسبقة.
كما أن أسلوب التخوين والاتهامات الجزافية لا يخدم النقاش العام، ولا ينسجم مع متطلبات مرحلة تحتاج إلى قدر أعلى من الرصانة والمسؤولية.
إن تداول احكام مسبقة حول ندوة فكرية وانزعاج طرف سياسي يقدم نفسه حارسا للحوار يطرح العديد من التساؤلات ، من ضمنها :
هل يحق لمن يدعي الرغبة في الحوار وينصب نفسه حارسا له ان ينزعج من النقاش والحوار ؟
ألا يعني هذا الانزعاج إحساس هذا الطرف بأن هناك اجندة خاصة به يعول علي تمريرها في غفلة من الناس ومن النقاش؟
لقد أثبتت هذه الندوة أن النخبة الوطنية قادرة على إدارة نقاش عقلاني ومتزن حول أكثر القضاياتعقيدا، بعيدًا عن الاستقطاب والمزايدة.
ويمثل إشراك المراكز البحثية والخبراء في التحضير للحوار إضافة نوعية، لأنه:
1-يوفر سندًا معرفيًا ومنهجيًا،
يعزز فرص التوافق
2-يرسخ ثقافة النقاش المؤسس على البرهان.
وتوصي الندوة بما يلي:
ا-اعتماد مقاربة علمية في تحديد مفاهيم القضايا المطروحة.
ب-ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية كمرجعية جامعة للوحدة الوطنية.
ج -معالجة الملفات الحقوقية والتنموية عبر سياسات عمومية ومؤسسية بعيدة من الاستغلال السياسي
ء-تجنب خطاب التخوين، والالتزام بأدب الاختلاف واحترام التعدد.
*خاتمة*
إن إنجاح الحوار الوطني المرتقب مسؤولية جماعية. وهو يتطلب الارتقاء بالنقاش من مستوى الاتهام إلى مستوى البرهنة، ومن منطق الاستقطاب إلى أفق التوافق الواعي.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل تُصان بالعقل، وتُدار بالمؤسسات، وتُرسَّخ بالعدل والإنصاف.
وقد أثبتت هذه الندوة – بمضمونها ومنهجها وأجوائها – أنها خطوة ناجحة في الاتجاه الصحيح، وإسهامًا وطنيًا صادقًا في تمهيد الطريق لحوار مسؤول يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتماسك الوطني.
*سيدي محمدواداخليفه*