*محمد عبد الله ولد بين يثمن تعليق الأستاذ الفاضل أخيارهم ولد حمادي*

يأتي مقال السيد أخيارهم ولد حمادي في سياق نقاش فكري مشروع حول التجربة الناصرية، وهو نقاش ظل حاضرًا في الفضاء العربي والموريتاني منذ عقود، لما تحمله هذه التجربة من تعقيد تاريخي وتداخل بين الفكر والممارسة، وبين الشعارات والنتائج.
ولا خلاف في أن من حق أي مفكر، بل من واجبه أحيانًا، أن يراجع قناعاته الفكرية، وأن يطرح الأسئلة الصعبة حول التجارب التي انخرط فيها، خصوصًا إذا كانت تلك المراجعات صادرة من داخل التجربة نفسها، ممن عاشوها ولامسوا تناقضاتها ميدانيًا. فالنقد الداخلي، حين يكون منصفًا، يكون غالبًا أعمق وأكثر فائدة من النقد الخارجي المتعجل.
غير أن مراجعة التجربة الناصرية تقتضي – في نظرنا – التمييز الدقيق بين الفكرة في سياقها التاريخي وبين الممارسة السياسية التي شابتها أخطاء بشرية. فالناصرية لم تكن مجرد “سلطة فرد” بقدر ما كانت محاولة تاريخية لبناء مشروع تحرري في مرحلة ما بعد الاستعمار، سعت إلى تحقيق الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، وبناء اقتصاد وطني مستقل، ودعم حركات التحرر العربية والإفريقية. وهذه الأبعاد لا يمكن اختزالها في إخفاقات الحكم أو في مركزية القرار، على أهميتها وخطورتها.
أما الإشكال المتعلق بعلاقة الفكر الناصري بالإسلام، فهو بدوره يحتاج إلى معالجة علمية هادئة، بعيدًا عن منطق القطيعة أو الاتهام. فالناصرية – في جوهرها – لم تكن مشروعًا معاديًا للدين، بل حاولت، بقدر ما تسمح به ظروفها الفكرية والسياسية، التوفيق بين القيم الاجتماعية للإسلام ومتطلبات الدولة الحديثة، وإن كانت قد أخفقت أحيانًا في ترجمة ذلك التوفيق مؤسسيًا.
إن أهمية المقالات التي أشار إليها الكاتب تكمن فعلًا في فتح باب المراجعة، لا في إعلان القطيعة الكاملة مع التجربة. فالأفكار، كما قال، تتجدد، والتاريخ لا يُعاد بنسخه، بل بفهمه ونقده والاستفادة منه. ومراجعة الناصرية اليوم يجب أن تكون تصحيحًا لا تصفية، وتطويرًا لا تشويهًا، حفاظًا على بعدها التحرري والإنساني، مع الاعتراف الصريح بما صاحبها من اختلالات سياسية وتنظيمية.
ومن هذا المنطلق، فإن انتظار المقال الثالث، كما أشار الكاتب، يظل مشروعًا ومهمًا، إذا ما جاء في إطار نقد إيجابي يهدف إلى إعادة بناء الفكرة الناصرية ضمن مرجعية فكرية واضحة، تحصنها من الانزلاق، وتبعدها عن الشبهات، وتجعلها أكثر انسجامًا مع واقعنا المتغير وأسئلته المتجددة.
فالتجربة الناصرية ليست نصًا مقدسًا ولا خطيئة تاريخية، بل تجربة إنسانية كبرى، تُقرأ بعين ناقدة منصفة، تحفظ لها إنجازاتها، وتتعلم من أخطائها، وهو ما نأمل أن تسهم فيه هذه المراجعات الفكرية الجادة.