محمد عبد الله ولد بين : يكتب: *أنا ناصري ولكن! *الحلقة الثانية: هل ما زال للناصرية أن تقول شيئًا؟

لا تأتي عبارة «أنا ناصري ولكن!» بوصفها تراجعًا عن فكرة، بل باعتبارها محاولة إنقاذ لها من التحوّل إلى ذاكرة سياسية مغلقة.
فالناصرية، بعد أكثر من نصف قرن على ذروة حضورها، تواجه اليوم سؤالًا وجوديًا:
هل هي مشروع قابل للتجدد، أم خطاب يعيش على رمزية زعيم أكثر مما ينتج رؤية للمستقبل؟
السؤال الأهم لم يعد متعلقًا بصلاحية الفكرة في ذاتها، بل بقدرة من ينتسبون إليها على ممارسة نقدها.
*من تقديس التجربة إلى مساءلتها*
أحد أعطاب الخطاب الناصري المعاصر هو التعامل مع تجربة عبد الناصر باعتبارها سردية مكتملة لا تقبل التفكيك.
هذا التقديس حوّل التجربة من مصدر إلهام إلى عبء، ومن رافعة فكرية إلى حائط صدّ أمام أي مراجعة.
إن الاعتراف بأخطاء الدولة الأمنية، وتقييد الحريات، وضعف البناء المؤسسي، لا ينتقص من قيمة المشروع، بل يعيد له صدقيته.
فالأفكار الكبرى لا تموت بالنقد، بل تموت حين تُمنع عنه.
*القومية بلا قيم: طريق مختصر إلى السلطة*
انفصال المشروع القومي عن مرجعيته القيمية كان أحد أسباب انزلاقه نحو السلطوية.
فالقومية حين تُختزل في الدولة، وتُفصل عن الأخلاق، تتحوّل من أداة تحرر إلى أداة ضبط.
هنا يبرز السؤال المؤجَّل:
كيف يمكن لمشروع تحرري أن يتجاهل المرجعية الحضارية والدينية لمجتمعاته؟
أي إسلام نعني؟
حين يُقال إن الإسلام يمكن أن يشكّل الإطار القيمي للمشروع التحرري، فلا يُقصد بذلك إسلام الجماعات المغلقة، ولا الإسلام الحزبي الذي يحتكر تمثيل الدين، ولا الإسلام العابر للوطنيات الذي يضع الانتماء التنظيمي فوق الانتماء للأوطان.
كما لا يُقصد به ذلك الإسلام “الشعوبي” الذي يتدثّر بعناوين مذهبية أو ثقافية مختلفة، ويُستخدم أداة لتفكيك المجتمعات العربية، أو لإضعاف انتمائها القومي، أو لربطها بمحاور خارج فضائها التاريخي.
الإسلام المقصود هنا هو الإسلام بوصفه: منظومة قيم أخلاقية جامعة،
ومشروع عدالة لا أداة هيمنة،
ومرجعية تحرر لا وسيلة تعبئة فئوية.
هو إسلام لا يصادر الوطنية ولا يعادي العروبة،
ولا يختزل الأمة في جماعة،
ولا يوظّف الدين لتبرير الاستبداد أو الفوضى.
ذلك الإسلام الذي واجه الاستعمار، وحرّك المجتمعات، وبنى دولًا، دون أن يُلغِي التعدد أو يحتكر الحقيقة، هو وحده القادر على أن يشكّل رافعة أخلاقية لمشروع تحرري جامع.
*فلسطين: معيار الصدق السياسي*
لا يمكن الحديث عن ناصرية معاصرة منزوعة الصلة بالقضية الفلسطينية.
ففلسطين لم تكن في التجربة الناصرية ملفًا سياسيًا، بل بوصلة تحدد موقع الحلفاء والأعداء.
تحويلها اليوم إلى شعار موسمي أو خطاب وجداني، دون أثر في السياسات والمواقف، يكشف حجم التآكل الذي أصاب الفكرة.
القضية الفلسطينية ليست عبئًا على المشاريع السياسية، بل اختبارها الأخلاقي الأول.
أزمة تنظيم لا أزمة فكرة
غياب الناصرية عن المجال العام اليوم لا يعود فقط إلى التحولات الدولية، بل إلى تفككها تنظيميًا.
لا حضور مؤثر في النقابات، ولا في الجامعات، ولا في الفضاء الرقمي، ولا في قضايا الناس اليومية.
الفكرة التي لا تجد طريقها إلى المجتمع، تتحول إلى خطاب نخبة، مهما كانت عدالتها النظرية.
*منطق الإقصاء وإعادة إنتاج الهزيمة*
العداء التلقائي بين التيارات القومية والإسلامية أعاد إنتاج شروط الهزيمة القديمة.
فكل مشروع تحرري يقوم على الإقصاء محكوم بالعزلة، وكل صراع داخلي يخدم بالضرورة قوى التبعية.
المطلوب اليوم ليس ذوبان الهويات، بل بناء أرضية مشتركة:
تحرر وطني، عدالة داخلية، ورفض واضح للاستبداد والارتهان للخارج.
*ناصرية ضد الاستبداد*
أخطر ما تواجهه الناصرية اليوم هو استخدامها لتبرير القمع باسم الدولة أو الاستقرار.
فالمشروع الذي وُلد لمواجهة الهيمنة لا يمكن أن يتحوّل إلى غطاء للاستبداد دون أن يفقد معناه.
الحرية ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا لأي تحرر حقيقي.
*إذن:*
«أنا ناصري ولكن!» ليست عبارة اعتذار، بل إعلان مسؤولية.
مسؤولية إعادة بناء الفكرة خارج النوستالجيا، وخارج التبرير، وخارج الصراع العقيم مع الهوية الدينية للمجتمع.