محمد عبد الله ولد بين *يرد علي شيخن ولد محمد سلطان* *في مقاله: الأزمة ازمة ناصريين لا أزمة الناصرية:* 

يذهب المقال إلى خلاصة مركزية مفادها أن الأزمة أزمة ناصريين لا أزمة الناصرية، وهي أطروحة جذابة في ظاهرها، لكنها تحتاج إلى تدقيق أعمق حتى لا تتحول إلى إعفاء غير مباشر للفكرة من مسؤولية تاريخية لا يمكن تجاهلها.

 

*هل الأزمة فعلًا أزمة ناصريين فقط؟*

التمييز بين الفكرة وحَمَلَتها ضروري نظريًا، لكنه سياسيًا ليس بهذه البساطة.

فالناصرية ليست نصًا منزّهًا عن التطبيق، بل مشروع حكم وتجربة دولة. وعندما تتكرر الإخفاقات البنيوية عبر أكثر من سياق وبلد، يصبح من المشروع التساؤل:

هل الخلل محصور في الأشخاص، أم أن في البنية النظرية ما يسمح بإعادة إنتاج هذه الانحرافات؟

تحميل “الناصريين” وحدهم المسؤولية يريح الفكرة، لكنه لا ينقذها.

*الناصرية واستدعاء الموروث*

صحيح أن الناصرية لم تكن نظرية مستجلبة، بل استجابة لواقع عربي مأزوم بالتبعية والتخلف. لكن القول إنها واجهت “اجترار الموروث العربي الإسلامي بكل سلبياته” يحتاج إلى تمييز أدق.

فالناصرية لم تدخل في حوار عميق مع هذا الموروث بقدر ما تجاوزته سياسيًا. تجاوز الإقطاع تمّ، لكن مسألة تراتبية السلطة وتقديس الحاكم لم تُفكك ثقافيًا، بل أُعيد إنتاجها داخل الدولة الحديثة، وإن بلغة جديدة.

*هل كانت الناصرية اجتهادًا إسلاميًا؟*

القول بأن الناصرية “اجتهاد إسلامي” هو طرح قابل للنقاش، لكنه غير محسوم.

الناصرية لم تعادِ الدين، نعم، لكنها أخضعته للدولة بدل أن تؤسس علاقة شراكة متوازنة معه. تحصين الدين من الاستغلال السياسي لا يكون بنزعه من المجال العام، بل بإدماجه في منظومة قيم ومؤسسات مستقلة.

وهنا يكمن التناقض:

محاولة حماية الدين من التوظيف السياسي انتهت أحيانًا إلى إفراغه من فاعليته الأخلاقية، وهو ما فتح الباب لاحقًا أمام عودته بشكل احتجاجي متطرف.

*نموذج الحكم: لا شمولي ولا ليبرالي؟*

الحديث عن “ديمقراطية تشاركية” ناصرية يحتاج إلى برهنة عملية لا توصيف نظري.

ففي التجربة التاريخية:

لم تكن هناك تداولية سلطة

ولا تعددية سياسية مستقلة

ولا مؤسسات رقابة فعالة

إشراك فئات اجتماعية في القرار لا يعادل نظامًا ديمقراطيًا إذا ظل القرار النهائي محتكرًا في مركز واحد. وهنا تحديدًا تظهر إشكالية الدولة القائدة التي لا تقبل التعدد الحقيقي.

*السادات: قطيعة أم نتيجة؟*

لا خلاف على أن السادات انقلب على الخط الناصري، لكن اختزال المسألة في “خيانة فرد” يُغفل سؤالًا أعمق:

كيف أمكن لهذا الانقلاب أن يتم بهذه السهولة؟

الواقع أن غياب المؤسسات المستقلة، وربط المشروع بشخص الزعيم، جعلا التحول ممكنًا بل وسلسًا.

وهنا لا تعود المشكلة مشكلة سادات فقط، بل مشكلة نموذج سياسي قابل للوراثة والانقلاب معًا.

*فلسطين والإخوان: تبسيط العلاقة*

التضحية بفلسطين مقابل التحالف مع أمريكا حقيقة سياسية، لكن ربط ذلك حصريًا بتمكين الإخوان من المشهد الديني فيه تبسيط.

فالإسلام السياسي لم ينشأ فقط بفعل السادات، بل أيضًا كردّ فعل على:

انسداد المجال السياسي

غياب الحريات

واحتكار الدولة للخطاب الوطني والديني

التطرّف لا يولد من الدين وحده، بل من القمع طويل الأمد وغياب الأفق.

*الانتكاسة: ابتعاد عن القيم أم أزمة بنيوية؟*

القول إن الانتكاسة سببها “ابتعاد الناصريين عن القيم الناصرية” صحيح جزئيًا، لكنه غير كافٍ.

فلماذا تتكرر هذه الظاهرة؟

لماذا يعجز الناصريون عن التوحد؟

ولماذا ينخرط كثير منهم في أنظمة استبدادية؟

الجواب قد يكون أن الناصرية لم تحسم نهائيًا موقفها من السلطة:

هل هي أداة لتحرير المجتمع أم لإدارته من فوق؟

*التناقض بين الخطاب والممارسة*

انتقاد التحالف مع الديكتاتوريات، والاندماج في البُنى القبلية، هو انتقاد مشروع.

لكن تكراره في التجربة الناصرية لا يمكن عزله عن غياب تصور واضح لكيفية الانتقال من:

الدولة القائدة

إلى

الدولة الخاضعة للمساءلة

*هل ما تزال الناصرية الحل الأمثل؟*

القول بأن الناصرية ما تزال الحل الأمثل يفترض أنها:

طورت أدواتها

راجعت أخطاءها

وأجابت عن أسئلة الحرية والدولة والمواطنة

وهو ما لم يتحقق بعد.

الفكرة التي لا تُحدّث نفسها، تتحول من حل إلى ذاكرة سياسية.

*الناصري العضوي: سؤال معلّق*

السؤال عن “الناصري العضوي” سؤال صائب، لكنه يحمل في طياته اعترافًا ضمنيًا بالأزمة.

فغياب هذا النموذج لا يعود فقط إلى تقصير الأفراد، بل إلى غياب بيئة سياسية وتنظيمية تنتجه.

نعم، هناك أزمة ناصريين،

لكن القول بعدم وجود أزمة في الناصرية نفسها يحتاج إلى مراجعة أعمق.

الفكرة التي لا تُحاسِب ذاتها،

ولا تفكك تجربتها،

ولا تُعيد تعريف علاقتها بالحرية والدين والسلطة،

لن تنقذها سلامة النيّة ولا عظمة الإرث.

إنقاذ الناصرية لا يكون بالدفاع عنها،

بل بامتلاك الشجاعة للاعتراف بأن أزمة الحامل قد تكون في بعض جوانبها أزمة المحمول نفسه.

وذلك وحده ما يمنحها فرصة جديدة في واقع عربي لا يرحم الأفكار المتجمدة.

زر الذهاب إلى الأعلى