الناصرية في موريتانيا: حين تتحول الفكرة إلي موقف وطني لا إلي صدي خار جي

لم تكن الناصرية في موريتانيا مجرد امتداد عاطفي لتجربة عربية كبرى، ولا صدى متأخرًا لمرحلة تاريخية مضت، بل تشكّلت منذ بداياتها بوصفها مشروعًا وطنيًا نضاليًا، انخرط بعمق في أجندة الدولة والمجتمع بعد الاستقلال. فقد جاءت هذه الفكرة محمّلة بأبعاد قومية وتحررية واجتماعية، وجدت أرضيتها في واقع موريتاني مختلّ، اتسم بتبعية ثقافية واقتصادية وسياسية وعسكرية، وباستمرار أنماط استعمار غير مباشر تجلّت في سيادة عملة المستعمر، واستنزاف الثروات الطبيعية، وزرع عوامل التوتر الاجتماعي، وتكريس البنية الاجتماعية الشرائحية.
من هنا، ارتبطت الناصرية في الوعي السياسي الموريتاني بالموقف قبل الشعار، وبالنضال قبل التنظيم. فلم تكن ترفًا فكريًا ولا استيرادًا أيديولوجيًا، بل ممارسة عملية في معارك سيادية واضحة، في مقدمتها معركة الاستقلال الثقافي عبر التعريب بوصفه خيارًا وطنيًا، والاستقلال الاقتصادي من خلال سكّ العملة الوطنية وتأميم الشركات المستنزِفة للثروات، والدفاع عن الفئات الكادحة في مواجهة تحالف غير معلن بين السلطة ورأس المال.
وإلى جانب وضوح خياراتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، راكمت هذه التجربة رصيدًا أخلاقيًا يصعب تجاهله. فقد عُرف مناضلوها بنظافة اليد، والزهد النسبي في الامتيازات، والتعامل مع الشأن العام باعتباره مسؤولية وطنية لا غنيمة سياسية. وهو رصيد يزداد بريقه حين يُقارن بما شهدته الحياة السياسية لاحقًا من تفشّي الفساد وتطبيع استغلال النفوذ.
غير أن هذا المشروع النضالي لم يكن بمنأى عن الإكراهات، إذ تأثر تنظيميًا بسطوة الديمقراطية الشكلية وهيمنة القيم الليبرالية، كما هو حال معظم المشاريع الفكرية الوطنية، فتوزّع حاملوه بين عدة أطر حزبية، ما أضعف وحدته التنظيمية دون أن يُلغِي حضوره الفكري والسياسي.
ورغم مرور عقود على هذا التشتت، لا يزال الناصريون يمثلون كتلة وازنة داخل النخبة الوطنية، ما يؤهلهم للانبعاث مجددًا في صيغة تتلاءم مع تحولات المرحلة، وتستفيد من دروس الماضي، للاضطلاع بدور وطني في مواجهة المخاطر الداخلية والتحديات الخارجية.
غير أن هذا الانبعاث المنشود لا يمكن أن يتم عبر استنساخ التجربة، بل عبر طرح فكري جديد وأصيل، يرفض القطيعة المفتعلة بين البعد القومي والمرجعية الإسلامية. فقد أثبتت التجربة أن الناصرية حين انفصلت عن القيم تحولت إلى دولة أمنية، وأن الحركات الإسلامية حين انعزلت عن الوعي السياسي والقومي وقعت في العزلة أو الصدام العقيم. ومن ثمّ، فإن معركة التحرر الوطني لا يمكن أن تُخاض إلا بمشروع جامع، يوفّق بين العدالة والحرية، ويجمع بين الهوية الحضارية ومتطلبات العصرنة.
*سيدي محمد ولداخليفه*