*دبلوماسية الجنائز في موريتانيا: بين واجب العزاء ورهانات السياسة

تناول الكاتب محمد عبد الله ولد بين، في مقاله الأخير، ظاهرة «دبلوماسية الجنائز» في موريتانيا، مسلطًا الضوء على كيفية توظيف لحظات الفقد والجنازات لأهداف سياسية ورمزية، وتحولها من فضاء أخلاقي وإنساني إلى منصة للرسائل غير المعلنة بين النخب. ويبرز المقال المخاطر الأخلاقية لهذه الظاهرة، لا سيما حين تتحوّل التعزية إلى أداة لإعادة التموضع السياسي أو تسجيل النقاط، مما يفرغها من بعدها الإنساني ويضعف ثقة المجتمع في النخب السياسية.

لكن الظاهرة الموريتانية، وخصوصًا في المجتمع العربي (اليظان)، تتجاوز هذا الانحراف السياسي، إذ تحتفظ بعض مناسبات التعزية بمكانتها الاجتماعية الأصيلة، كما تجسّدها تعزية سيد أعمر ولد ويادة، التي تعد نموذجًا فريدًا في تاريخ موريتانيا الحديث. فقد كانت هذه التعزية مناسبة استثنائية جمعت مختلف طبقات المجتمع: أمراء وشيوخ قبائل، معارضين وموالين، بالإضافة إلى طبقات أخرى كالصناع والأرقاء السابقين، في لقاء يشيّد قيم الوحدة والتضامن بعيدًا عن الاعتبارات السياسية الضيقة.

يميز هذه التعزية عن غيرها من المجتمعات الزنجية، حيث غالبًا ما تُحصر اللقاءات بين طبقات محددة، أو تُقيّد التداخل بين «السادة» و«الشرائح الأخرى». أما في موريتانيا، فقد شكلت هذه المناسبة نموذجًا للفضاء المشترك الذي يكرّم الموت والفقد، ويعزز الروابط الاجتماعية، ويقدّم درسًا أخلاقيًا في كيفية الجمع بين الاحترام الإنساني والتقاليد القيمية، رغم الاختلافات السياسية والاجتماعية.

إن قراءة هذه الظاهرة في ضوء ما وصفه ولد بين بـ«دبلوماسية الجنائز» تجعلنا ندرك التحدي الذي يواجهه المجتمع: الحفاظ على قدسية التعزية كفضاء أخلاقي، دون السماح باستغلالها سياسياً، وفي الوقت نفسه تعزيز الموروث الثقافي الذي يقدّم النموذج العربي الموريتاني في التعايش والتماسك الاجتماعي. فاحترام الموت واحترام الحزن ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو ركيزة لحياة سياسية واجتماعية متوازنة ومستقرة.

سيدي محمدولداخليفه

زر الذهاب إلى الأعلى