محمد عبد الله. ولد بين يكتب عن:/الصداقة في زمن ندر فيه الوفاء:”قراءة أخلاقية وسياسية”

في زمن تتسارع فيه المصالح، وتتبدّل فيه الوجوه بتبدّل المواقع، لم تعد الصداقة قيمة مسلَّمًا بها، بل أصبحت استثناءً نادرًا. ومع ذلك، يظلّ الصديق الحقيقي أحد أعمدة النجاة الإنسانية؛ فمن يمتلك صديقًا عظيمًا وفيًّا، لا تهزمه الحياة، مهما اشتدّ عصفها.
الصداقة ليست مسألة عدد، ولا ترفًا اجتماعيًا، بل علاقة عميقة تقوم على الصدق والشجاعة والوفاء. صديق واحد صادق، حاضر عند الغياب، ثابت عند الانكسار، يكفي ليمنح الإنسان توازنًا نفسيًا وأخلاقيًا تعجز عنه الحشود.
الصديق كقيمة أخلاقية
الصديق الحقيقي هو من يسمع صمتك قبل كلامك، ويدرك ملامح حزنك وإن ابتسمت. لا يحتاج إلى شرح، ولا ينتظر مقابلًا. يقف معك لا ليبرّرك، بل ليصحّحك. يقول لك الحقيقة وإن آلمتك، ويواجهك إذا رآك تنحرف عن الطريق. إنه المرآة التي تكشف العيوب، لا القناع الذي يخفيها.
في هذا المعنى، تصبح الصداقة موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون علاقة وجدانية. فالوفاء ليس شعورًا عابرًا، بل التزام في لحظات الاختبار، حين تتكشّف النوايا وتسقط الأقنعة.
حين تنتقل القيم إلى المجال العام
سياسيًا، تعكس أزمة الصداقة أزمة أعمق في منظومة القيم العامة. فكما ندر الصديق الوفي، ندر الحليف الصادق، وكما سادت العلاقات النفعية بين الأفراد، سادت التحالفات المؤقتة بين الفاعلين السياسيين. تحوّلت العلاقات إلى أدوات، والولاءات إلى أوراق تفاوض، وغابت فكرة “الوقوف معك” لتحلّ محلها فكرة “الاستفادة منك”.
وفي هذا السياق، يصبح الصديق الوفي نموذجًا مضادًا للثقافة السياسية السائدة؛ ثقافة التصفيق عند القوة، والتخلّي عند السقوط. فكم من الأيدي تصفّق لك وأنت صاعد، وكم من الوجوه تبتسم لك وهي تخفي خناجرها، بينما لا يبقى معك عند الانكسار إلا القليل… أو واحد فقط.
الصديق الحقيقي يقاتل معك لا من أجلك؛ لا يصادر قرارك، ولا يستغل ضعفك، بل يشدّ على يدك لتقف بنفسك. هو الأمان في زمن الغدر، والثبات في زمن التقلب، والوفاء في عالم سريع النسيان.
امتلاك صديق كهذا ليس مجرد حظ شخصي، بل ثروة أخلاقية، ورسالة ضمنية بأن القيم لم تمت، وأن الإنسان ما زال قادرًا على بناء علاقات لا تحكمها المصلحة وحدها.
في زمن قلّ فيه الوفاء، تصبح الصداقة الصادقة فعل مقاومة أخلاقية، وموقفًا سياسيًا غير معلن ضد ثقافة الانتهازية. صديق واحد صادق، وفيّ، شجاع في نصحه، ثابت في حضوره، يغني عن مائة يد تصفّق لك وأنت تسقط، وعن مائة وجه تبتسم لك وهي تخفي طعنتها.