محمد عبد الله ولد بين يكتب : *دبلوماسية الجنائز في موريتانيا: بين واجب العزاء ورهانات السياسة*

تُعدّ الجنائز، في الوعي الجمعي الموريتاني، فضاءً أخلاقيًا خالصًا يفترض أن تسوده قيم التعزية، والتضامن الإنساني، واحترام الموت وحرمة الفقد. غير أن هذا الفضاء، الذي كان تقليديًا محايدًا وبعيدًا عن الحسابات، بدأ يشهد في السنوات الأخيرة تحوّلًا لافتًا، حيث بات يُستثمر سياسيًا ورمزيًا، فيما يمكن تسميته بـ «دبلوماسية الجنائز».
أولًا: الجنازة كحدث اجتماعي-سياسي
في مجتمع محافظ مثل موريتانيا، لا تُعدّ الجنازة مجرد طقس ديني، بل مناسبة اجتماعية كبرى تُقاس فيها المكانة، وتُستعرض فيها العلاقات، ويُرصد من حضر ومن غاب. هذا البعد الاجتماعي جعل منها ساحة غير معلنة للرسائل السياسية، سواء عبر:
حضور مسؤولين رسميين بعينهم،
أو غياب شخصيات كان يُتوقّع حضورها،
أو ترتيب الصفوف، والمصافحات، والتصريحات الجانبية.
هكذا تتحوّل الجنازة من فعل عزاء إلى مؤشّر سياسي يُقرأ بعناية في الصحافة والصالونات.
ثانيًا: البعد الدبلوماسي والرسائل الضمنية
حين يحضر رئيس، أو وزير، أو زعيم سياسي جنازة شخصية عامة، فإن الحضور لا يُقرأ بوصفه إنسانيًا فقط، بل كرسالة:
رسالة تصالح أو تهدئة،
أو تأكيد تحالف،
أو محاولة استمالة اجتماعية أو قبلية.
وفي المقابل، قد يُفسَّر الغياب بوصفه موقفًا، أو قطيعة، أو حتى عقابًا رمزيًا. وهنا تكمن خطورة دبلوماسية الجنائز، إذ تُحمَّل لحظة إنسانية هشة أثقالًا سياسية لا تحتملها.
ثالثًا: الإشكال الأخلاقي
أخلاقيًا، يطرح هذا السلوك أسئلة عميقة:
هل يجوز توظيف الموت لخدمة السياسة؟
أين تنتهي المجاملة الإنسانية ويبدأ الاستغلال الرمزي؟
هل يُنصف الفقيد حين يتحوّل رحيله إلى مناسبة لتسجيل النقاط؟
إن استخدام الجنازات كمنصات للظهور أو إعادة التموضع السياسي يُعدّ انتهاكًا غير معلن لحرمة الموت، ويُفرغ التعزية من بعدها القيمي، ويُحوّل الحزن إلى أداة.
رابعًا: التأثير على الثقة العامة
هذا السلوك يُسهم، على المدى البعيد، في تعميق فجوة الثقة بين المجتمع والنخب السياسية. فحين يدرك المواطن أن التعزية انتقائية، وأن الحضور يخضع لموازين النفوذ لا لواجب المواساة، تتآكل صورة الصدق، ويترسّخ الانطباع بأن السياسة تتسلّل حتى إلى أكثر اللحظات قداسة.
خامسًا: نحو مقاربة أكثر إنسانية
لا يعني نقد دبلوماسية الجنائز الدعوة إلى إقصاء المسؤولين عن مناسبات العزاء، بل إلى إعادة ضبط النية والسلوك:
الفصل الواضح بين العزاء والعمل السياسي،
تجنّب التصريحات والاستعراض خلال الجنائز،
احترام الخصوصية العائلية،
واعتماد الحضور المتوازن غير الانتقائي.
إن الجنازة، في جوهرها، لحظة صمت لا خطاب، ومواساة لا رسالة، وإنسانية لا سياسة. وحين تُختطف هذه اللحظة لصالح حسابات دنيوية، فإن الخسارة لا تطال الأخلاق فقط، بل تسيء إلى السياسة نفسها. فالدولة التي تحترم الموت، تحترم الحياة، وتحترم مواطنيها.

زر الذهاب إلى الأعلى