محمد عبد الله ولد بين يكتب: *قراءة لمقال رأيت فيما يرى النائم*

*بين كابوس 2050 وواقع اليوم:* دفاع عن السياسة باعتبارها فعلًا إنسانيًا لا وهمًا جماعيًا
النص المعروض لا يقدّم تصورًا مستقبليًا بقدر ما يعكس مزاجًا نفسيًا وسياسيًا حاضرًا: مزاج التعب، والخيبة، وانكسار الثقة في السياسة والأرقام والإنجازات. وهو مزاج مفهوم في سياق الإحباط، لكنه لا يصلح أساسًا لبناء حكم شامل على التاريخ أو المستقبل.
أول ما يلفت الانتباه هو أن الكاتب لا ينتقد سوء السياسة، بل يعلن اختفاء السياسة نفسها، وكأن السياسة كانت يومًا ترفًا يمكن للبشرية الاستغناء عنه. هذا خلط جوهري.
فالسياسة، في جوهرها، ليست مهرجانات ولا خطابات ولا تصفيقًا، بل هي إدارة الاختلاف، وتنظيم المصالح، وتوزيع الموارد، وصناعة القرار الجماعي. ما يختفي أحيانًا هو السياسة الرديئة، لا السياسة كحاجة إنسانية.
أما تصوير عالم 2050 كعالم نظيف، منظم، خالٍ من الفوضى، لكنه بلا روح ولا حرارة، فهو ثنائية رومانسية قديمة:
إمّا إنسانية دافئة وفوضوية
أو نظام عقلاني بارد
وكأن البشرية عاجزة عن الجمع بين التقدم التقني والعمق الإنساني.
التاريخ يكذب هذا التبسيط. فكل قفزة حضارية كبرى رافقها خوف مماثل: قيل الشيء نفسه عن الكتابة، عن الطباعة، عن الصناعة، عن الإنترنت. ولم تختفِ الإنسانية، بل أعادت تعريف نفسها.
وفيما يخص الأرقام، فإن التشكيك فيها بوصفها “تصنعها الهواتف” هو هروب من سؤال أكثر إزعاجًا:
هل الخلل في الأرقام أم في قراءتنا لها وانتقائنا ما يخدم سردياتنا؟
الأرقام لا تصفق ولا تخون، لكنها أيضًا لا تتكلم وحدها. هي أدوات، تُساءُ أحيانًا وتُحسن أحيانًا أخرى. إنكارها كليًا ليس نقدًا، بل استقالة من النقاش.
النص أيضًا يخلط بين التصفيق القسري والاعتراف بالإنجاز.
نعم، التصفيق الفارغ مرض.
لكن تحويل كل تقدير إلى “ولاء أعمى” هو منطق المهزوم الذي لا يرى في نجاح غيره إلا دعاية. المنتصر ببرامجه لا يحتاج إلى فرض التصفيق، بل إلى نتائج قابلة للقياس، ونقاش عمومي، ومساءلة.
أما السؤال الجوهري:
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون بديلًا عن السياسة، والطموح، والولاء، والإنجاز؟
الجواب البسيط: لا.
الذكاء الاصطناعي أداة، قوية ومؤثرة، لكنه بلا إرادة أخلاقية، بلا مسؤولية، وبلا تمثيل اجتماعي.
لا يحدد الأولويات، ولا يحسم الصراعات القيمية، ولا يقرر من يدفع الثمن ومن يجني المكاسب. هذه كلها أسئلة سياسية بامتياز.
ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي هو تحسين القرار، لا استبدال السياسة.
في النهاية، الفرق بين المغلوب والمنتصر ليس في الحلم بالمستقبل، بل في طريقة قراءته.
المغلوب يتخيل المستقبل كتبرير لليأس: عالم بلا سياسة لأن السياسة خذلته.
أما المنتصر، فيراه مجالًا للتنافس، للتصحيح، ولتطوير البرامج والإنجازات.
المستقبل لا يُلغى فيه الإنسان، بل يُمتحن.
والسياسة لا تختفي، بل تتغير.
ومن يعلن موتها، غالبًا ما يكون قد تعب من خوضها… لا من فهمها.

زر الذهاب إلى الأعلى