هل تكفي مؤسساتنا القديمة* *لبناء موريتانيا المستقبل؟*   *جواب على السؤال الكبير من أطار *محمد عبد الله ولد بين يكتب* :

هناك أسئلة لا تُطرح لكي يُبحث لها عن جواب سريع، وإنما لأنها تفتح أمام الأمة باباً للتفكير في مستقبلها.

ومن هذا النوع، في تقديري، السؤال الكبير الذي طرحه فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء أمس في المهرجان الشعبي بمدينة أطار، حين تساءل، في جوهر حديثه، عما إذا كانت المنظومة المؤسسية التي أنشأناها في الماضي وما زلنا نعمل بها قادرة على الاستجابة للتحولات الراهنة، وما الذي ينبغي تطويره حتى تظل الدولة قادرة على تعزيز الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية وترسيخ دولة المواطنة ودولة المؤسسات، وصولاً إلى العدالة والوحدة والرفاه.

إنني أعتقد أن قيمة هذا السؤال لا تكمن فقط في موضوعه، وإنما في توقيته ومنهجيته.

فهو لا يسأل: هل نهدم ما بنيناه؟

بل يسأل: هل ما بنيناه ما يزال كافياً لمواجهة ما استجد؟ وإذا لم يكن كافياً، فكيف نطوره دون أن نفقد ثوابت الدولة وهويتها؟

وهنا يبدأ النقاش الحقيقي.

أولاً: لسنا أمام تأسيس دولة من الصفر

موريتانيا ليست دولة بلا دستور، ولا دولة بلا مؤسسات، ولا دولة بلا منظومة قانونية.

فالدستور يعرّفها بأنها جمهورية إسلامية، ديمقراطية واجتماعية، ويقرر المساواة أمام القانون، وسيادة القانون، وحقوق المواطنين وحرياتهم، كما يقر التنوع الثقافي باعتباره أساساً للوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية. كما يجعل شعار الجمهورية: شرف، إخاء، عدل.

إذن، المشكلة ليست في غياب المبادئ الكبرى.

والمشكلة أيضاً ليست بالضرورة في غياب المؤسسات.

وإنما قد تكون في الفجوة بين النص والممارسة، وبين المؤسسة ووظيفتها، وبين المواطن وما ينتظره من الدولة.

وهذه الفجوة هي التي ينبغي أن يكون الحوار الوطني مدعواً إلى تفكيكها بهدوء ومسؤولية.

ثانياً: المطلوب ليس تغيير هوية الجمهورية وإنما تعميقها

إن أي حديث عن تطوير مؤسسات الدولة يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية:

الإصلاح المؤسسي لا يعني القطيعة مع هوية الدولة.

موريتانيا لها هويتها الإسلامية والعربية والإفريقية، ولها تنوعها الثقافي والاجتماعي، ولها تاريخها الخاص وتجربتها الوطنية المتراكمة.

والدستور نفسه يقدم صيغة واضحة لهذا التعايش بين الوحدة والتنوع؛ فهو يعتبر التنوع الثقافي أساساً للوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية، ويقر العربية لغة رسمية، واللغات الوطنية الأخرى موروثاً وطنياً مشتركاً.

ومن ثم فإن إعادة تأسيس الجمهورية التي نحتاج إليها ليست إعادة تأسيس على أنقاض الجمهورية القائمة، وإنما هي إعادة تأسيس للثقة في الجمهورية.

أي أن يشعر الموريتاني، أينما كان، ومن أي مكوّن اجتماعي أو ثقافي أتى، بأن الدولة دولته، وأن القانون يحميه، وأن الفرص العامة لا تتحدد إلا بمعايير معلنة وعادلة، وأن الانتماء الوطني هو الإطار الأعلى الذي تنتظم داخله سائر الانتماءات.

ثالثاً: من دولة المواطن إلى دولة المواطنة

لقد تحدث فخامة الرئيس في خطاب سابق عن رباط المواطنة باعتباره الرابط الذي تنتظم حوله الحقوق والواجبات، مؤكداً أن قوة هذا الرباط تعزز الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية.

وهنا، ربما تكمن إحدى أهم الإجابات عن سؤال أطار.

فدولة المواطنة لا تعني مجرد أن يحمل الإنسان بطاقة هوية موريتانية.

إنها تعني أن تتحول المواطنة إلى نظام فعلي لتوزيع الحقوق والواجبات والفرص والمسؤوليات.

أي أن يصبح السؤال الأول أمام الإدارة:

> ماذا يقول القانون عن هذا المواطن؟

لا:

> من أي قبيلة هو؟

> ومن أي جهة؟

> ومن أي شريحة؟

> ومن يعرف؟

وهذا لا يعني تجاهل البنية الاجتماعية الموجودة في الواقع، وإنما يعني ألا تتحول تلك البنى إلى بديل عن الدولة أو إلى وسيلة للتأثير في الحقوق العامة.

فالقبيلة والأسرة والجهة والمكوّن الثقافي والاجتماعي يمكن أن تكون روافد للتضامن الاجتماعي، لكن الدولة وحدها هي التي ينبغي أن تكون الإطار الجامع للحقوق والواجبات العامة.

رابعاً: دولة المؤسسات لا تعني كثرة المؤسسات

ربما يكون من المفيد أن نعيد تعريف مفهوم “دولة المؤسسات”.

فليست الدولة المؤسساتية هي الدولة التي تملك أكبر عدد من المؤسسات والهيئات والمجالس.

إنها الدولة التي:

يعرف فيها كل جهاز حدود اختصاصه؛

وتكون المسؤولية فيها قابلة للتحديد والمساءلة؛

ويطبق فيها القانون على الجميع؛

وتستمر فيها المؤسسات رغم تغير الأشخاص؛

وتقوم فيها الإدارة على قواعد وإجراءات واضحة؛

ويستطيع المواطن معرفة الجهة التي يلجأ إليها للحصول على حقه.

وهنا يصبح إصلاح الإدارة جزءاً مركزياً من إصلاح الدولة.

فالمواطن لا يلتقي الدولة في الدستور فقط، وإنما يلتقيها في المدرسة، والمستشفى، والمحكمة، ومركز الحالة المدنية، والبلدية، ومصلحة الضرائب، والإدارة الإقليمية، ومؤسسات الأمن والخدمات.

ومن هنا فإن تطوير الدولة يبدأ من تحسين علاقة المواطن بالإدارة.

خامساً: نحتاج إلى عقد مؤسسي جديد، لا إلى مجرد تعديلات قانونية

إذا كان الحوار الوطني المرتقب يريد أن يقدم جواباً تاريخياً عن سؤال أطار، فإن من المفيد ألا يحصر نفسه في مراجعة بعض القوانين والإجراءات، بل أن ينظر إلى المنظومة باعتبارها نظاماً متكاملاً.

وأقترح في هذا السياق التفكير في خمسة مسارات متوازية:

1. إصلاح مؤسسات الدولة

بمراجعة توزيع الاختصاصات، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية، وتطوير آليات المساءلة، وتوضيح العلاقة بين المركز والمجالس المحلية والجهوية.

فاللامركزية لا ينبغي أن تكون مجرد نقل لبعض الصلاحيات، وإنما نقل حقيقي للقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات بالقرب من المواطن.

2. إصلاح الإدارة العمومية

الإدارة هي الواجهة اليومية للجمهورية.

ولهذا ينبغي الانتقال بصورة أكبر من إدارة تقوم على الملفات والأوراق إلى إدارة تقوم على الخدمة والنتيجة والرقمنة والشفافية.

كما ينبغي أن يصبح التعيين والترقية والمسؤولية الإدارية أكثر ارتباطاً بالكفاءة والأداء، مع حماية الموظف من التعسف وحماية الإدارة من المحاباة.

3. جعل العدالة الاجتماعية جزءاً من البناء المؤسسي

الوحدة الوطنية لا تُبنى بالخطاب وحده.

إنها تحتاج إلى مدرسة عادلة، وصحة متاحة، وفرص اقتصادية، وحماية اجتماعية، وتنمية متوازنة بين المناطق، وعناية حقيقية بالفئات الأكثر هشاشة.

فحين يشعر المواطن بأن الدولة حاضرة في حياته اليومية، تتحول المواطنة من مفهوم دستوري إلى تجربة معيشة.

4. بناء المدرسة الجمهورية

لا يمكن أن تكون هناك جمهورية قوية إذا كانت المدرسة لا تنتج المواطن الذي يؤمن بها.

والمدرسة الجمهورية ينبغي أن تكون فضاءً لتعلم المعرفة، لكنها أيضاً فضاء لتعلم المواطنة، والعدل، واحترام القانون، والتعايش، والاعتزاز بالهوية الوطنية في تعددها.

وهنا ينبغي أن يصبح إصلاح التعليم أحد المحاور المركزية لأي تصور مستقبلي للدولة.

5. الانتقال من إدارة التنوع إلى بناء الوحدة من خلال التنوع

موريتانيا ليست مطالبة بأن تختار بين الوحدة والتنوع.

إن التحدي الحقيقي هو أن تجعل من التنوع مصدر قوة للوحدة.

وهذا يتطلب خطاباً وطنياً لا ينكر الاختلاف، ولا يحوله في الوقت نفسه إلى صراع هويات.

إن الموريتانيين يستطيعون أن يكونوا مختلفين في الثقافة واللهجة والمنطقة والانتماءات الاجتماعية، وأن يكونوا في الوقت ذاته متساوين في المواطنة.

وهذه ليست معادلة مستحيلة؛ بل هي جوهر الدولة الحديثة.

سادساً: العدالة هي الاختبار الحقيقي للمؤسسات

إذا أردنا أن نختصر كل الإصلاح المؤسسي في معيار واحد، فلن يكون ذلك عدد القوانين التي سنصدرها، وإنما:

هل يشعر المواطن أن العدالة تعمل؟

فالعدالة ليست القضاء وحده، وإن كان القضاء قلبها.

العدالة هي أيضاً عدالة الفرص، وعدالة توزيع التنمية، وعدالة الولوج إلى التعليم والصحة، وعدالة التوظيف، وعدالة تطبيق القانون، وعدالة الحصول على الخدمات.

وإذا غابت هذه المعاني، فقد تكون لدينا مؤسسات كثيرة، ولكن ثقة المواطن فيها ستظل محدودة.

أما حين يشعر المواطن بأن القانون فوق الجميع، وأن الدولة لا تميز بين مواطن وآخر في الحقوق والواجبات، فإن الثقة تبدأ في التشكل.

سابعاً: الجمهورية التي نريدها لا ينبغي أن تخاف من المستقبل

إن السؤال الذي طرحه الرئيس في أطار يحمل، في تقديري، معنى أعمق من مجرد إصلاح إداري.

إنه دعوة إلى أن نتوقف عن النظر إلى الدولة باعتبارها بناءً اكتمل، وأن ننظر إليها باعتبارها مشروعاً وطنياً متجدداً.

فالدولة التي لا تراجع مؤسساتها مع تغير المجتمع قد تصبح أسيرة لماضيها.

والدولة التي تغير كل شيء مع كل مرحلة تفقد الاستمرارية والاستقرار.

أما الدولة الراشدة فهي التي تعرف كيف تحافظ على الثوابت وتطور الوسائل.

نحافظ على الجمهورية.

نحافظ على الإسلام.

نحافظ على الوحدة الوطنية.

نحافظ على التنوع الثقافي.

نحافظ على اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية، وعلى اللغات الوطنية باعتبارها موروثاً مشتركاً.

ونطور في الوقت نفسه مؤسساتنا، وإدارتنا، واقتصادنا، ومدرستنا، وآليات العدالة والمساءلة.

ثامناً: من مؤتمر ألاك إلى حوار المستقبل

لقد عرف التاريخ السياسي الموريتاني محطات كان فيها النقاش حول الدولة نقاشاً حول إمكانية بناء وطن يتجاوز العصبيات والانتماءات الجزئية دون أن ينكرها.

وكان مؤتمر ألاك سنة 1958 إحدى اللحظات المؤسسة في التفكير الوطني قبل الاستقلال.

واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على قيام الجمهورية، يبدو أننا أمام لحظة تستحق أن يكون السؤال فيها أكبر من الأشخاص والأحزاب والمراحل الانتخابية.

السؤال هو:

أي جمهورية نريد أن نسلمها إلى أبنائنا؟

جمهورية تظل مؤسساتها أسيرة للترتيبات التي وضعت لظروف سابقة؟

أم جمهورية قادرة على تحديث مؤسساتها باستمرار، مع الحفاظ على ثوابتها، واستيعاب تحولاتها الاجتماعية والديمغرافية والاقتصادية والتكنولوجية؟

إنني أميل إلى أن الإجابة التي ينبغي أن يبحث عنها الحوار الوطني ليست في إعادة توزيع النفوذ بين النخب، وإنما في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

وهذا هو المعنى الأعمق لدولة المؤسسات.

وأخيراً: جوابنا عن سؤال أطار

نعم، لدينا منظومة مؤسسية ودستورية وقانونية مهمة، وهي ليست قليلة الشأن.

لكن كفايتها لا ينبغي أن تكون مسألة عقائدية.

فكل مؤسسة من صنع الإنسان قابلة للمراجعة والتطوير، وكل قانون يمكن أن يحتاج إلى التكييف مع تحولات المجتمع، وكل إدارة مطالبة بتحسين أدائها.

ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس:

هل مؤسساتنا جيدة أم سيئة؟

بل:

هل مؤسساتنا اليوم قادرة على أداء الوظائف التي تحتاجها موريتانيا اليوم وغداً؟

فإن كانت قادرة، فلنثبتها ونحسن أداءها.

وإن كانت بحاجة إلى التطوير، فلنطورها.

وإن كانت بعض الترتيبات قد استنفدت صلاحيتها، فلنستبدلها بما هو أصلح، في إطار الدستور وبالتوافق الوطني.

أما الغاية النهائية فينبغي أن تكون واضحة:

جمهورية إسلامية متمسكة بهويتها، متصالحة مع تنوعها، قوية بمؤسساتها، عادلة بين مواطنيها، حديثة في إدارتها، متوازنة في تنميتها، ويكون فيها رباط المواطنة هو الإطار الجامع الذي لا يعلو عليه انتماء في الحقوق والواجبات.

وهكذا يصبح شعار الجمهورية، “شرف، إخاء، عدل”، ليس مجرد كلمات محفورة على الأوراق، وإنما فلسفة للحكم والحياة العامة.

فالعدالة هي أساس الثقة، والوحدة هي شرط الاستقرار، والمؤسسات هي وسيلة الدولة، والمواطنة هي الرابط الجامع، والرفاه هو ثمرة التنمية.

ولعل ذلك هو الجواب الحقيقي عن سؤال أطار: لسنا بحاجة إلى جمهورية أخرى، وإنما إلى أن نجعل جمهوريتنا أكثر قدرة على أن تكون دولة مواطنين، ودولة قانون، ودولة مؤسسات، ودولة عدالة؛ وأن نعيد تأسيس الثقة فيها، لا أن نعيد تأسيسها على أنقاضها.

زر الذهاب إلى الأعلى