ذاكرة الصحراء… حين كانت الخيمة مدرسة،* وكان الوطن يتعلّم كيف ينهض/ محمد عبد الله بين

*تعليقا على مقال الأستاذ والكاتب عبد الرحمن ولد سيد امحمد*
ليس كل نص يصف صورةً يستحق أن يُقرأ مرتين، ولكن بعض النصوص تمنح الصورة لسانًا، وتستخرج من صمتها تاريخًا، وتجعل من التفاصيل الصغيرة مفاتيح لفهم أمة بأكملها. وهذا ما فعله الأستاذ عبد الرحمن ولد سيد امحمد في مقاله البديع «ذاكرة الصحراء»؛ إذ لم يقف عند حدود التعليق على فيلم أرشيفي يعود إلى مطلع ستينيات القرن الماضي، وإنما أقام بين القارئ وتلك المرحلة جسرًا من الحنين الواعي، لا من النوستالجيا الساذجة، واستنطق مشاهد قليلة لتروي قصة ميلاد التعليم الوطني في واحدة من أدق لحظات التاريخ الموريتاني.
لقد أعادنا المقال إلى سنوات الاستقلال الأولى، حين كانت الدولة الفتية تبحث عن مؤسساتها، وترسم ملامح شخصيتها، وتشق طريقها بين ميراث حضاري عريق ومتطلبات دولة حديثة. وفي تلك اللحظة التاريخية لم تكن المدرسة النظامية قد استقرت بعد في الضمير الجمعي، ولم تكن الأسرة الموريتانية قد حسمت موقفها منها، بل كان قطاع واسع من المجتمع ينظر إليها بعين الريبة، لأنها جاءت في أعقاب المدرسة الاستعمارية، فاختلط في الأذهان التعليم بالتغريب، والمعرفة بالهيمنة الثقافية.
وفي المقابل، كانت المحظرة الموريتانية في أوج سلطانها العلمي والاجتماعي؛ تؤدي رسالتها بثقة واقتدار، وتخرّج الفقهاء والقضاة والمفتين والأدباء، وتحفظ القرآن وعلومه، وتصون العربية في بيئة لم تعرف الانقطاع عن تراثها العلمي قرونًا طويلة.
وكانت المحظرة، على بساطة فضائها، مدرسةً مكتملة المعالم، لا ترى في المبنى شرطًا للتعليم، ولا في الزينة وسيلة للتربية، ولا في الأثاث معيارًا لجودة التحصيل، بل تجعل مدار العملية التعليمية على الشيخ، والكتاب، والحفظ، والمذاكرة، والملازمة.
ومن هنا تكتسب الخيمة التي ظهرت في الفيلم دلالة أعمق من كونها فضاءً دراسيًا. إنها ليست رمزًا جماليًا فحسب، وإنما شاهد على قدرة المدرسة الحديثة على التكيف مع البيئة الموريتانية، وعلى إدراك رواد التعليم الوطني أن النجاح لا يتحقق بمصادمة المجتمع، وإنما بمرافقته. ولذلك حملت المدرسة خيمتها، وارتحلت مع البادية، كما ارتحلت المحظرة قبلها بقرون، وكأن المؤسستين، على اختلاف مناهجهما، قد التقتا في حكمة المكان وإن اختلفتا في أدوات المعرفة.
ولعل أجمل ما يثيره المقال أنه لا يجعلنا نقف أمام الأشخاص، وإنما أمام الزمن نفسه. ذلك الزمن الذي لم يكن الطفل فيه مشروع مستهلك، ولا أسيرًا لصناعة الأزياء، ولا رهينةً لسلطان الصورة. كانت هيئته امتدادًا لثقافة الجماعة، لا لثقافة السوق؛ وكانت تسريحة شعره تحمل دلالة اجتماعية، ولباسه يحكي انتماءً، لا علامةً تجارية. وكانت البساطة عنوانًا للأناقة، والوقار قرينًا للطفولة، والهوية تسبق المظهر.
وما أشار إليه الكاتب من تنوع التسريحات والأزياء ليس مجرد احتفاء بالفلكلور، بل هو استدعاء لذاكرة ثقافية كانت التفاصيل فيها تنتمي إلى منظومة متكاملة من القيم والعلاقات الاجتماعية. فقد كانت كل ضفيرة، وكل قطعة قماش، وكل هيئة، تعلن انتماءها إلى بيئة تعرف نفسها، وتعتز بموروثها، ولم تكن قد استسلمت بعد لرياح التنميط التي جعلت العالم يلبس الثوب نفسه، ويقص الشعر بالطريقة نفسها، ويستهلك الصورة نفسها.
غير أن أعظم ما يوحي به الفيلم، وما أحسن الكاتب التقاطه، هو صورة المعلم. ففي تلك السنوات لم يكن التعليم وظيفةً مريحة، ولا بابًا للامتيازات، بل كان رسالة شاقة، يقطع صاحبها الفيافي، ويقاسم البدو حياة الترحال، ويقيم معهم حيث أقاموا، مؤمنًا بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن الدولة لا تؤسسها الإدارات وحدها، وإنما يؤسسها المعلمون المجهولون الذين يزرعون الحروف في الرمال قبل أن تُبنى المدارس من الحجر والإسمنت.
وليس من الإنصاف، ونحن نستدعي تلك المرحلة، أن نجعلها مناسبة للمفاضلة بين المحظرة والمدرسة، أو بين الماضي والحاضر؛ فالتاريخ لا يُقرأ بعين الخصومة، وإنما بعين التكامل. فلولا المحظرة ما بقيت لهذه البلاد شخصيتها العلمية واللغوية والدينية، ولولا المدرسة الحديثة ما استطاعت الدولة الوطنية أن تبني مؤسساتها الإدارية والعلمية والتقنية. وقد كان التحدي الحقيقي – وما يزال – هو كيف نجعل المؤسستين تتكاملان في صناعة الإنسان، بدل أن تتنازعاه.
إن موريتانيا اليوم، وهي تواجه تحديات الجودة التعليمية، وأزمة القيم، وضغط العولمة، أحوج ما تكون إلى استحضار روح تلك البدايات؛ لا لتكرار أشكالها، وإنما لاستلهام معانيها. فذلك الجيل لم يكن يملك الوسائل التي نملكها، لكنه كان يملك وضوح الغاية، وإجلال العلم، واحترام المعلم، والإيمان بأن التعليم قضية وطن، لا مجرد خدمة عمومية.
وهنا تتجاوز قيمة مقال الأستاذ عبد الرحمن ولد سيد امحمد حدود الأدب الوصفي، لتصبح مساهمة في صيانة الذاكرة الوطنية. فالذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي أحد أركان بناء الأمم؛ لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها، تفقد قدرتها على فهم حاضرها، وتتيه في رسم مستقبلها.
لقد جعل الكاتب من فيلم قصير وثيقةً حضارية، ومن الخيمة رمزًا، ومن اللوح رسالة، ومن أغنية الأطفال نشيدًا لوطن كان يتعلم، في صمت الصحراء، كيف يبني ذاته. وتلك هي قيمة الكتابة الرفيعة: أن ترى في الصورة تاريخًا، وفي التفاصيل فلسفة، وفي الماضي بذور المستقبل.
وإذا كانت الصحراء قد حفظت آثار القوافل قرونًا، فإنها حفظت كذلك آثار المعلمين الأوائل الذين حملوا المدرسة على ظهور الرواحل، كما حمل شيوخ المحاظر ألواحهم قبلهم. وهؤلاء جميعًا هم جنود النهضة الحقيقيون، الذين لم يكتبوا أسماءهم على جدران المؤسسات، بل كتبوها في عقول الأجيال وضمائرها. وما أجمل أن نرد لهم بعض الجميل، باستعادة سيرتهم، وإحياء ذكراهم، وصيانة تراثهم، ليظل حاضرًا في وجدان الأمة، وهاديًا لأبنائها في زمن كثرت فيه الوسائل، وقلّت فيه الغايات.