*الوحدة لاتكون على حساب الحق*   *محمد عبد الله ولد بين*  في رده على الرئيس محمد جميل منصور

أخي الاستاذ الرئيس محمد جميل منصور، لا أختلف معكم في أن الطائفية التي تجعل الانتماء المذهبي مدخلًا للكراهية واستباحة الدماء والأعراض طائفية مذمومة، سواء صدرت من هذا الطرف أو ذاك، وأن الأمة الإسلامية أحوج ما تكون اليوم إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويطفئ نيران الفتن ولا يؤججها.

غير أنني أتوقف عند المساواة بين “طائفية الروافض” و”طائفية النواصب” على إطلاقها؛ لأن هذا التعبير، وإن بدا متوازنًا من حيث اللفظ، قد لا يكون كذلك من حيث الحقيقة التاريخية والعلمية.

فأهل السنة والجماعة ليسوا نواصب، كما أن النصب مذهب منحرف شذ عن الأمة، يقوم على بغض آل بيت رسول الله ﷺ والانتقاص منهم، وهو ما تبرأ منه أئمة أهل السنة قاطبة. وقد قرر ابن تيمية أن أهل السنة “يتولون جميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ”. فليس من الإنصاف أن يُجعل النصب ممثلًا لأهل السنة، كما ليس من الإنصاف أن يُختزل كل الشيعة في الغلاة منهم.

ثم إن الدعوة إلى تجاوز الخلافات لا ينبغي أن تعني تجاوز الأصول العقدية التي قام عليها إجماع الأمة. فالخلاف حول الإمامة، وموقف الصحابة رضي الله عنهم، ومصادر التلقي، ليس مجرد خلاف سياسي عابر استقر مع الزمن، وإنما هو من المسائل التي ترتبت عليها تصورات عقدية ومنهجية عميقة، ولذلك لم يعاملها علماء الأمة بوصفها خلافًا ثانويًا يمكن إهماله، وإنما ناقشوها بالعلم والبرهان، بعيدًا عن العصبية والهوى.

وأحسب أن منهج أهل السنة كان دائمًا أعدل المناهج في هذا الباب؛ إذ جمع بين أمرين قلما يجتمعان: الثبات على الحق، والعدل مع المخالف. فلم يكفروا كل مخالف، ولم يستحلوا دمه، ولم يمنعهم اختلافهم العقدي من الإنصاف. ولهذا قال ابن تيمية: “العدل واجب لكل أحد، على كل أحد، في كل حال”. كما كان يقول: “ليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي ﷺ”.

أما الترحيب بالمراجعات الفكرية فهو خلق كريم، بل هو واجب إذا ظهرت أمارات الصدق، لكن الحذر الذي ذكرتموه ينبغي أن يكون حذرًا علميًا لا سياسيًا، يقوم على التثبت من الأقوال والأفعال، لا على إساءة الظن، مع بقاء باب النصيحة والحوار مفتوحًا.

إن الأمة اليوم ليست محتاجة إلى إحياء معارك التاريخ، كما أنها ليست محتاجة إلى دفن الحقائق تحت شعار الوحدة. وإنما تحتاج إلى مشروع يجمع بين أمرين: وحدة الصف في مواجهة أعداء الأمة، والوفاء لثوابتها العقدية والعلمية. فلا وحدة بلا حق، ولا حق بلا عدل، ولا عدل بلا علم.

ولعل من أهم ما ينبغي التأكيد عليه أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحوار العلمي الرصين حول مسائل الاعتقاد، وإنما يكمن في تحويل الخلاف إلى وقود للفتنة، أو في تحويل الدعوة إلى الوحدة إلى ذريعة لإلغاء الفروق بين الحق والباطل. فالقرآن جمع بين الاعتصام بحبل الله، وبين الأمر ببيان الحق وعدم كتمانه، وجمع بين الأخوة الإيمانية وبين إقامة الحجة.

نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الهدى، وأن يرزقهم الإنصاف في الحكم، والحكمة في الدعوة، والعدل مع الموافق والمخالف، وأن يجعل اجتماعهم على الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، لا على المجاملات العابرة ولا على الخصومات الموروثة. …

زر الذهاب إلى الأعلى