الإصلاح التربوي يبدأ من القاعدة لا من القمة *قراءة في مداخلة معالي وزير الداخلية حول إصلاح الباكلوريا/ محمد عبد الله ولدبين

أثارت المداخلة التي قدمها وزير الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية، خلال لقائه برؤساء مراكز امتحانات الباكلوريا لسنة 2026، اهتماما واسعا في الأوساط التربوية، لما تضمنته من دعوة إلى إعادة النظر في آليات تقييم شهادة الباكلوريا، وخاصة الاعتماد على امتحان وحيد في تقرير مصير التلميذ، واقتراح إدخال عناصر أخرى من التقويم والمتابعة بما يضمن قدرا أكبر من الإنصاف والعدالة للطلاب.
ولا شك أن هذه الدعوة تستحق التقدير؛ لأنها تعكس وعيا متزايدا بضرورة مراجعة بعض الاختلالات التي تعاني منها منظومتنا التعليمية، كما تؤكد أن الشأن التربوي لم يعد قضية قطاعية محصورة في وزارة التربية وحدها، بل أصبح قضية وطنية تهم مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل يبدأ الإصلاح من الباكلوريا، أم من المراحل التي تسبقها؟
منطق الإصلاح وتراتبيته
في كل الأنظمة التعليمية الرصينة، ينطلق الإصلاح من القاعدة إلى القمة، لا العكس. فالباكلوريا ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الامتحانات والانتقاءات والتقويمات. ولذلك فإن معالجة اختلالات الحلقة الأخيرة مع ترك الاختلالات الأعمق في المراحل السابقة يشبه معالجة أعراض المرض دون الاقتراب من أسبابه.
إن المنطق التربوي السليم يقتضي أن يبدأ الإصلاح من التعليم الأساسي، لأنه المرحلة التي تتشكل فيها شخصية الطفل، وتتحدد فيها فرصه المستقبلية في التعلم والاندماج الاجتماعي.
التعليم الأساسي: التزام دولي وحق إنساني
عندما اعتمدت المجموعة الدولية مفهوم “التعليم الأساسي” بديلا عن “التعليم الابتدائي”، لم يكن ذلك مجرد تغيير في المصطلحات، بل كان تحولا في الفلسفة التربوية ذاتها.
فالتعليم الأساسي لم يعد يقتصر على السنوات الابتدائية الأولى، بل أصبح يشمل المرحلة الإعدادية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الحد الأدنى من التعليم الذي ينبغي أن يحصل عليه كل طفل قبل انتقاله إلى الحياة العملية أو التكوين المهني أو التعليم الثانوي.
وقد كانت موريتانيا من أوائل الدول التي انخرطت في هذا التوجه الدولي والتزمت به، باعتباره حقا من حقوق الطفل وركيزة من ركائز التنمية البشرية.
غير أن الواقع ما زال يكشف عن مفارقة كبيرة بين الالتزام النظري والممارسة الفعلية.
*مسابقة دخول الإعدادية: عنق الزجاجة الحقيقي*
منذ عقود يخضع أطفال موريتانيا لامتحان انتقائي في نهاية المرحلة الابتدائية، هو المسابقة الوطنية لدخول السنة الأولى الإعدادية.
ويترتب على هذا الامتحان إقصاء نسب معتبرة من الأطفال تتراوح سنويا بين 37% و40% من المترشحين، وهي نسبة ضخمة إذا ما قورنت بروح التعليم الأساسي وأهدافه.
والنتيجة أن آلاف الأطفال يجدون أنفسهم خارج المسار الدراسي في سن مبكرة جدا، قبل استكمال الحد الأدنى من التعليم الذي تعهدت الدولة والمجموعة الدولية بتوفيره لهم.
وهنا يبرز التناقض الكبير: كيف يمكن اعتبار المرحلة الإعدادية جزءا من التعليم الأساسي، ثم نجعل الوصول إليها مشروطا بمسابقة إقصائية لا ينجح فيها الجميع؟
إن منطق التعليم الأساسي يفترض أن يكون الانتقال من الابتدائية إلى الإعدادية انتقالا طبيعيا ومضمونا لكل طفل، لا محطة انتقاء وإقصاء.
آثار الإقصاء المبكر
لا تتوقف آثار هذه السياسة عند حدود الرسوب في امتحان، بل تمتد إلى نتائج اجتماعية وتربوية خطيرة.
فالطفل الذي يغادر المدرسة في سن مبكرة يكون أكثر عرضة للعودة إلى الأمية، وأكثر هشاشة أمام البطالة والانحراف والتهميش الاجتماعي.
كما أن المجتمع يخسر جزءا مهما من رأسماله البشري، في وقت أصبحت فيه المعرفة والمهارات أساس التنمية والتنافس بين الأمم.
ومن هنا فإن الحديث عن العدالة التربوية لا ينبغي أن يقتصر على طالب الباكلوريا الذي أمضى اثنتي عشرة سنة في التعليم، بل يجب أن يبدأ من الطفل الذي حرم أصلا من مواصلة تعليمه الأساسي.
مطبات أخرى قبل الباكلوريا
وإذا كانت الباكلوريا تمثل اليوم محل نقاش، فإنها ليست العقبة الوحيدة في المسار الدراسي.
فشهادة ختم الدروس الإعدادية ما تزال تشكل بدورها حاجزا أمام الانتقال إلى المرحلة الثانوية، حيث يشترط الحصول على معدل معين للعبور.
وبذلك يصبح المسار التعليمي سلسلة متتابعة من الامتحانات الانتقائية التي قد تحرم التلميذ من حقه في مواصلة الدراسة في أي مرحلة من المراحل.
ومن ثم فإن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن ينظر إلى المنظومة التعليمية كوحدة متكاملة، لا إلى شهادة واحدة بمعزل عن بقية الشهادات.
*نحو إصلاح أكثر عدالة*
إن الإنصاف الذي دعا إليه الوزير في الباكلوريا يجب أن يمتد إلى جميع المراحل التعليمية، وخاصة التعليم الأساسي.
*فالعدالة التربوية تقتضي:*
● ضمان الولوج الشامل إلى التعليم الأساسي حتى نهاية المرحلة الإعدادية.
● مراجعة فلسفة المسابقة الوطنية لدخول الإعدادية بما ينسجم مع الالتزامات الدولية للدولة.
● التوسع في البنية التحتية التعليمية لاستيعاب جميع الأطفال.
● اعتماد آليات تقويم تراكمية ومستدامة بدلا من رهن مستقبل التلميذ بامتحان واحد.
● إعادة النظر في مختلف نقاط الاختناق التي تعيق استمرارية المسار التعليمي.
● توسيع قاعدة الاستقبال في التعليم الفني والمهني بحيث يمكنها امتصاص كل المترشحين اللذين لم تشملهم المرحلة الثانية من التعليم الأساسي.
لقد أصاب معالي وزير الداخلية حين نبه إلى ضرورة مراجعة أساليب تقييم الباكلوريا وتحقيق مزيد من الإنصاف للطلاب، غير أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتوقف عند قمة الهرم التعليمي.
فإذا كان من غير العدل أن يحدد امتحان واحد مصير طالب الباكلوريا، فمن باب أولى أن نتساءل عن مصير آلاف الأطفال الذين تحدد مسابقة واحدة مستقبلهم وهم في بداية الطريق.
إن العدالة التربوية لا تبدأ عند نهاية المسار الدراسي، بل تبدأ عند أول طفل يقف على عتبة التعليم الأساسي. وهناك تحديدا ينبغي أن تنطلق أولى خطوات الإصلاح.