*محمد عبد الله ولد بين يكتب :*  *المختار ولد أجاي.. حين تجتمع الكفاءة والأمانة في خدمة الدولة* 

ليس من السهل في زمن الاستقطاب السياسي وتزاحم المواقف أن يحظى مسؤول عمومي بقراءة تتجاوز الانطباعات السريعة وأحكام الخصومة أو الموالاة. فغالباً ما تطغى الضوضاء على الحقائق، وتختلط المواقف السياسية بتقييم الأداء، حتى يصبح من الصعب التمييز بين النقد الموضوعي والحملات التي تستهدف الأشخاص أكثر مما تستهدف السياسات.

وفي هذا السياق، تكتسب شهادة الأستاذ المختار كاكيه حول الوزير الأول المختار ولد أجاي أهمية خاصة، لأنها ليست شهادة مراقب من بعيد، ولا شهادة منطلقها الانتماء السياسي أو المجاملة الشخصية، وإنما شهادة مسؤول عمل معه عن قرب في عدة مواقع إدارية وحكومية، وعاين أسلوبه في إدارة الملفات وتعاطيه مع المسؤولية العامة.

واللافت في هذه الشهادة أنها لم تتوقف عند الإنجازات الظاهرة أو النجاحات الإدارية المعروفة، بل سلطت الضوء على جانب أكثر عمقاً وأهمية، هو الجانب القيمي والأخلاقي في ممارسة السلطة. فقد ركزت على معيارين ظلا عبر التاريخ أساساً لكل ولاية ناجحة ولكل إدارة رشيدة: القوة والأمانة.

أما الأمانة، فقد تجلت – وفق ما أورده المختار كاكيه – في احترام المؤسسات والإجراءات، والابتعاد عن التدخل في الملفات الإدارية والمالية، وترك أصحاب المسؤولية يمارسون صلاحياتهم وفق القانون والضوابط المهنية. وهي شهادة ذات دلالة كبيرة، لأن ما يرسخ الدول ويعزز ثقة المواطنين ليس فقط حجم المشاريع المنجزة، وإنما كذلك سلامة المساطر ونزاهة القرار العمومي.

ولعل أهمية هذا الجانب تتضاعف في مرحلة جعل فيها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني من الحكامة الرشيدة ومحاربة الفساد خياراً استراتيجياً للدولة. فنجاح هذا المسار لا يتوقف على وجود القوانين والمؤسسات وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى رجال إدارة يؤمنون بثقافة الدولة والمؤسسات، ويجسدونها في ممارساتهم اليومية.

أما القوة بمعناها الإداري والسياسي، فهي السمة التي تكاد تجمع عليها مختلف القراءات المنصفة لمسار الوزير الأول. فقد راكم تجربة واسعة في تسيير المؤسسات الكبرى وإدارة الملفات الاقتصادية والمالية المعقدة، وأثبت في مختلف المناصب التي تقلدها قدرة واضحة على تحديد الأولويات ومتابعة التنفيذ وتحويل الأهداف العامة إلى نتائج ملموسة.

ومن يتابع مساره المهني يلاحظ أن حضوره لم يكن مرتبطاً بمنصب بعينه، بل ارتبط بقدرته على التعامل مع الملفات الصعبة والظروف الاستثنائية. فالرجل تولى مسؤولياته في فترات شهد فيها العالم أزمات اقتصادية متلاحقة واضطرابات في الأسواق الدولية وارتفاعاً في تكاليف المعيشة، وهي ظروف فرضت تحديات غير مسبوقة على الحكومات في مختلف أنحاء العالم. ومع ذلك استمرت الدولة في تنفيذ برامجها التنموية والمحافظة على توازناتها الأساسية، وهو ما يعكس وجود إرادة في العمل وقدرة على إدارة التحديات.

ومن الطبيعي أن يكون من يتصدر المشهد العام عرضة للنقد وربما للاستهداف. فتلك سنة ملازمة للعمل السياسي والإداري في كل المجتمعات. غير أن الإنصاف يقتضي أن يكون التقييم مبنياً على الوقائع والنتائج لا على الانطباعات والأحكام المسبقة، وأن يظل النقد موجهاً للأداء والسياسات لا للأشخاص والأعراض.

إن الدول لا تتقدم بالصراعات العقيمة ولا بالحملات المتبادلة، وإنما تتقدم حين يتحول النقد إلى وسيلة للتصويب، وحين يصبح الإنصاف قيمة حاكمة في الحكم على الرجال والتجارب. ومن هذا المنطلق تبدو دعوة الأستاذ المختار كاكيه دعوة جديرة بالتأمل: أن نترك المسؤولين يعملون، وأن نعينهم بالنقد البناء والتقييم الموضوعي، وأن نجعل المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الأخرى.

لقد أثبتت التجارب أن رجال الدولة لا يقاسون بحجم ما يثار حولهم من جدل، وإنما بقدرتهم على الصمود أمام الضغوط، والثبات على الأهداف، وتحقيق النتائج في الظروف الصعبة. وتلك هي المعايير التي تجعل من الموقف عنواناً للرجل، وتجعل من الإنجاز أبلغ من كل خطاب.

وفي حالة المختار ولد أجاي، فإن ما يلفت الانتباه ليس فقط تعدد المسؤوليات التي تولاها، بل قدرته على المحافظة على صورة المسؤول المنصرف إلى العمل أكثر من انصرافه إلى الجدل، وإلى الإنجاز أكثر من انشغاله بالردود. ولذلك يرى فيه كثيرون نموذجاً لرجل الدولة الذي اختار أن يجعل من المسؤولية ميداناً للفعل لا منصة للخطابة.

وخلاصة القول أن الأوطان لا تحتاج إلى رجال معصومين، وإنما تحتاج إلى رجال أكفاء ونزهاء يعملون في إطار المؤسسات ويخضعون للمساءلة والتقييم. وإذا كانت شهادة المختار كاكيه قد أبرزت جانباً من هذه الصفات في الوزير الأول المختار ولد أجاي، فإن الحكم النهائي يظل دائماً للوقائع والنتائج، وللأثر الذي يتركه الرجال في خدمة دولهم ومجتمعاتهم. فهناك، وحده، تُعرف قيمة رجال الدولة، وهناك ينتصر الموقف على الحملات، والإنجاز على الضجيج.

زر الذهاب إلى الأعلى