*من يدفع فاتورة الطاقة في موريتانيا: الدولة أم المواطن؟/ محمد عبد الله بين

النعمة ويب / مقال تحليلي في تقاطع الاقتصاد والسياسة
تُعدّ مسألة الطاقة اليوم من أكثر القضايا حساسية في موريتانيا، ليس فقط لارتباطها المباشر بحياة المواطن اليومية، بل أيضاً لكونها مرآة تعكس طبيعة الخيارات الاقتصادية للدولة وحدود قدرتها على التوفيق بين متطلبات الاستقرار الاجتماعي وإكراهات السوق العالمية. وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة وارتفاع أسعار المحروقات، يبرز سؤال جوهري: من يتحمل فعلياً فاتورة الطاقة في موريتانيا، الدولة أم المواطن؟
*أولاً: معادلة معقدة بين الدعم والتوازنات المالية*
من الناحية النظرية، تتدخل الدولة لتخفيف العبء عن المواطن عبر دعم أسعار الوقود والكهرباء، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا التدخل ليس خياراً ترفياً، بل ضرورة اجتماعية، خاصة في بلد لا تزال فيه القدرة الشرائية محدودة، وتُشكّل فيه الطاقة عنصراً أساسياً في كلفة المعيشة والإنتاج.
غير أن هذا الدعم يضع المالية العمومية أمام تحدٍّ مزدوج:
الحفاظ على استقرار الأسعار
وضمان استدامة الميزانية
وهنا تظهر صعوبة المعادلة، إذ إن كل انخفاض في أسعار الطاقة للمواطن يقابله ضغط متزايد على خزينة الدولة.
*ثانياً: المواطن يدفع… ولكن بطرق غير مباشرة*
رغم تدخل الدولة، لا يمكن القول إن المواطن بمنأى عن تحمل التكلفة. فالفاتورة تصل إليه بطرق متعددة:
ارتفاع أسعار النقل نتيجة كلفة الوقود
زيادة أسعار المواد الأساسية بسبب تأثير الطاقة على سلسلة الإنتاج
الضرائب غير المباشرة التي قد تُستخدم لتعويض جزء من كلفة الدعم
بمعنى آخر، حتى عندما لا يدفع المواطن السعر الكامل للطاقة، فإنه يساهم في تحملها عبر الاقتصاد ككل.
*ثالثاً: الدولة تتحمل العبء الأكبر…* حفاظاً على الاستقرار
في المقابل، تتحمل الدولة الموريتانية نصيباً كبيراً من فاتورة الطاقة، إدراكاً منها لحساسية هذا الملف وانعكاساته الاجتماعية. وقد برز هذا التوجه بشكل واضح في السياسات المنتهجة خلال السنوات الأخيرة تحت قيادة رئيس الجمهورية *محمد ولد الشيخ الغزواني،* التي سعت إلى:
تجنب الصدمات السعرية المفاجئة
حماية الفئات الهشة
الحفاظ على السلم الاجتماعي
كما عملت حكومة *الوزير الأول* *المختار ولد اجاي* على إدارة هذا الملف بمنطق التوازن، عبر الجمع بين استمرار الدعم من جهة، والبحث عن إصلاحات هيكلية تقلل من كلفته على المدى الطويل من جهة أخرى.
*رابعاً: نحو حلول مستدامة… من الدعم إلى الإنتاج*
الإشكال الحقيقي لا يكمن في من يدفع اليوم، بل في كيفية تقليص الفاتورة مستقبلاً. وهنا تتجه موريتانيا نحو مسارات واعدة:
1. الاستثمار في الغاز الطبيعي
دخول البلاد مرحلة إنتاج الغاز يمثل فرصة تاريخية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي خفض كلفة الطاقة داخلياً.
2. تطوير الطاقات المتجددة
تمتلك موريتانيا إمكانات كبيرة في مجال الطاقة الشمسية والرياح، وهي خيارات أقل كلفة وأكثر استدامة.
3. إصلاح منظومة الدعم
الانتقال التدريجي من دعم عام إلى دعم موجه للفئات الأكثر احتياجاً، بما يضمن العدالة والكفاءة.
*خامساً: مقاربة الدولة بين الواقعية والطموح*
ما يُلاحظ في التجربة الموريتانية هو اعتماد مقاربة واقعية لا تنكر الإكراهات، لكنها لا تتخلى عن الطموح. فالدولة لا تستطيع تحمل الفاتورة كاملة بشكل دائم، كما لا يمكن ترك المواطن يواجه تقلبات السوق وحده.
ومن هنا، تبدو السياسة الحالية محاولة لإعادة توزيع العبء بشكل متوازن، مع الحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة، دون الإضرار بأسس الاقتصاد.
*وأخيرا :شراكة ضمنية في تحمل الفاتورة*
في النهاية، لا الدولة وحدها تدفع فاتورة الطاقة، ولا المواطن وحده يتحملها. إنها شراكة غير معلنة، تفرضها طبيعة الاقتصاد الوطني والظروف الدولية.
غير أن ما يميز المرحلة الراهنة هو سعي الدولة، بقيادة رئيس الجمهورية وحكومة الوزير الأول، إلى جعل هذه الشراكة أكثر عدلاً وتوازناً، عبر حماية الفئات الهشة، والاستثمار في المستقبل الطاقوي للبلاد.
ويبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من مرحلة “تقاسم الأعباء” إلى مرحلة “تقليص الأعباء”، وهو رهان يتطلب استمرارية الإصلاح، ومحاربة الفساد، وحسن استثمار الفرص، وتكريس حكامة رشيدة تجعل من الطاقة رافعة للتنمية، لا عبئاً دائماً على الدولة والمجتمع.