*محمد عبد الله بين ، يكتب :* *المعارضة الديمقراطية في موريتانيا:* *بين واجب الرقابة وحق الأغلبية في التسيير*

في النظم الديمقراطية الرشيدة، لا تقوم الدولة على طرف واحد، ولا تستقيم الحياة السياسية بغياب التوازن بين من يحكم ومن يعارض.
فالأغلبية التي منحها الشعب ثقته عبر صناديق الاقتراع تملك، من حيث المبدأ والمشروعية، حق قيادة المرحلة، وصياغة السياسات العامة، وتنفيذ البرامج التي تعهدت بها أمام المواطنين. وفي المقابل، تضطلع المعارضة بدور لا يقل أهمية، يتمثل في الرقابة، والنقد البناء، والتنبيه إلى مكامن الخلل، وتقديم البدائل الواقعية.
وفي الحالة الموريتانية، فإن ما أفرزته الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة منح الأغلبية سندًا سياسيًا واضحًا لتسيير المأمورية الحالية تحت قيادة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو تفويض ديمقراطي ينبغي احترامه بوصفه تعبيرًا عن الإرادة الشعبية. فالمأموريات لا تُمنح في المنابر ولا بالبيانات، وإنما تمنحها أصوات المواطنين حين تتجه إلى صناديق الاقتراع.
غير أن هذا الحق المشروع في التسيير لا يعني إطلاق اليد دون مساءلة، كما أن حق المعارضة في الرقابة لا يعني منازعة الأغلبية في أصل شرعيتها. وهنا تكمن دقة المعادلة الديمقراطية: أغلبية تُسير، ومعارضة تُراقب، ومؤسسات تضبط، وشعب يحكم في النهاية على النتائج.
لقد عانت كثير من الديمقراطيات الناشئة من خلط الأدوار، حين تتحول المعارضة من شريك في البناء الوطني إلى خصم دائم يسعى إلى إفشال كل مبادرة، أو حين تتوهم الأغلبية أن الفوز الانتخابي يمنحها احتكار الحقيقة. وكلا المسلكين يضر بالدولة ويستنزف الجهد الوطني في صراعات جانبية لا تخدم المواطن.
ومن الإنصاف القول إن النهج الذي اختاره رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني اتسم، في كثير من محطاته، بالهدوء والتدرج وتغليب منطق التهدئة على منطق الصدام. وهو خيار سياسي له وجاهته في بيئة تحتاج إلى الاستقرار أكثر من حاجتها إلى التوتر، وإلى تراكم الإنجاز أكثر من ضجيج الشعارات. فالسكينة السياسية ليست ضعفًا، بل قد تكون شرطًا لازمًا للتنمية، لأن الاستثمار والإصلاح والإدارة الرشيدة لا تزدهر في مناخات الاحتقان.
ومن أبرز المؤشرات على هذا التوجه إعلان الإرادة السياسية لتنظيم حوار وطني هادئ يشارك فيه مختلف الطيف السياسي، من أجل مناقشة القضايا الوطنية الكبرى، وتبادل الرؤى بشأن الإصلاحات المطلوبة، وتعزيز التماسك الوطني. فالحوار حين يكون جادًا ومنظمًا لا يُعد تنازلًا من السلطة، بل يعكس ثقة في النفس، وإيمانًا بأن الوطن يتسع للجميع.
إن المطلوب من المعارضة اليوم ليس الانسحاب من الساحة ولا التصفيق للحكومة، وإنما ممارسة دورها الطبيعي ضمن حدود المؤسسات: رصد الاختلالات التسييرية، كشف مواطن القصور، اقتراح البدائل، الدفاع عن مصالح المواطنين، ومساءلة الأداء العام بلغة مسؤولة. كما أن المطلوب من الأغلبية أن تنصت للنقد الجاد، وأن تعتبره عنصر تصحيح لا مصدر إزعاج.
أما الوطن، فهو أكبر من الأغلبية والمعارضة معًا. وإذا كان الشعب قد منح ثقته لمن يحكم اليوم، فإنه ينتظر من الجميع أن يحسنوا إدارة الاختلاف، وأن يجعلوا التنافس السياسي وسيلة للتقدم لا سببًا للتعطيل.
وفي الخلاصة، فإن الديمقراطية الموريتانية لا تحتاج إلى صراع شرعيات بقدر ما تحتاج إلى تكامل أدوار: أغلبية تقود بثقة، ومعارضة تراقب بمسؤولية، ورئاسة تجمع ولا تفرق، وحوار وطني يفتح الآفاق أمام مستقبل أكثر استقرارًا ونضجًا. ذلك هو الطريق الأقصر نحو دولة قوية، ومجتمع مطمئن، وتنمية تصنعها السكينة والوعي معًا.