*الحرب ليست قدَرًا… بل خيارٌ تُمليه الحكمة أو التهور/ محمد عبد الله بين

تعجّ منصات التواصل الاجتماعي هذه الأيام بسيلٍ من التسجيلات الصوتية والمقاطع المجهولة والمعلومة المصدر، التي تسعى إلى تسميم الأجواء وبثّ الشكوك بين الشعبين الشقيقين. هذه المواد، التي تفتقر في الغالب إلى المصداقية والتوثيق، تُغذّي خطاب الكراهية وتدفع نحو تأزيمٍ لا يخدم إلا دعاة الفتنة والتصعيد. إن التعاطي الواعي مع هذا المحتوى، بالتمحيص والتثبت، يُعدّ واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، خاصة في لحظاتٍ دقيقة تتطلب تغليب صوت العقل على ضجيج الإشاعات. فليست كلّ رواية تُتداول حقيقة، ولا كلّ ما يُسمع يستحق أن يُبنى عليه موقف.
و في زمنٍ تتقاطع فيه الأزمات الإقليمية مع هشاشة الأوضاع الداخلية، يصبح من السهل الانجرار وراء خطابٍ متحمّس يهوّن من كلفة الحرب ويغفل مآلاتها. غير أن التجارب القريبة والبعيدة تؤكد أن الحرب، متى اشتعلت، خرجت عن السيطرة، ولم تترك خلفها إلا الخسارات المركّبة: في الأرواح، والاقتصاد، والنسيج الاجتماعي.
إن الحديث عن مالي ليس حديثًا عن “جارٍ عابر”، بل عن امتدادٍ جغرافي وبشري وتاريخي. كانت مالي، قبل أن تعصف بها نيران الصراع، فضاءً مفتوحًا للتبادل والتعايش، وعمقًا اجتماعيًا واقتصاديًا لموريتانيا. هذا الترابط لا يمكن أن يُمحى بلحظة انفعال، ولا أن يُختزل في خطابٍ متشنّج يختزل الحلول في المواجهة.
الأمن أولًا: قيمة لا تُعوّض
الأمن ليس شعارًا سياسيًا، بل هو شرط وجود الدولة واستمرار المجتمع. وكل إخلال به يفتح الباب أمام دوامات لا يمكن التنبؤ بنهاياتها. لقد أثبتت الأزمات الدولية، من الخليج إلى أوروبا الشرقية، أن الحروب—even البعيدة جغرافيًا—تُلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصادات الهشة، وتنعكس مباشرة على معيشة المواطن. فكيف إذا كانت الحرب على حدودنا المباشرة؟
إن الحكمة الاستراتيجية تقتضي إدراك أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي هو أعظم انتصار يمكن تحقيقه، وأن تجنّب الانزلاق إلى الصراعات هو في حد ذاته إنجاز سياسي وعسكري. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على خوض الحرب، بل—وهذا هو الأهم—بالقدرة على تجنبها.
العقلانية العسكرية: الردع دون تهور
لا جدال في جاهزية الجيش الموريتاني، ولا في عقيدته القائمة على حماية السيادة الوطنية بكل حزم. غير أن الجيوش المحترفة لا تُستدرج إلى المعارك عبثًا، بل تتحرك وفق حسابات دقيقة تُوازن بين الكلفة والعائد، وتُقدّر المخاطر قبل اتخاذ القرار.
الردع الحقيقي لا يعني إطلاق النار، بل يعني منع إطلاقه أصلًا. وهو ما يتحقق عبر يقظة أمنية، وتحصين للحدود، وتنسيق إقليمي، دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة قد تتحول إلى استنزاف طويل الأمد.
الصبر الاستراتيجي: فضيلة الدول لا ضعفها
قد يُساء فهم الصبر على أنه تردد، لكنه في السياسة الدولية يُعدّ من أعلى درجات الحكمة. فالدول التي تحسن إدارة الأزمات هي تلك التي تعرف متى تتحرك، ومتى تنتظر، ومتى تُغلّب لغة التهدئة على قرع الطبول.
إن مساعدة مالي على الخروج من أزمتها—دبلوماسيًا وإنسانيًا—هو استثمار في أمننا نحن، قبل أن يكون تضامنًا معها. فاستقرار الجوار هو خط الدفاع الأول عن استقرار الداخل.
لا تنمية بدون سلم
التنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة. لا استثمار مع الخوف، ولا تعليم مع النزوح، ولا صحة مع الفوضى. إن كل أوقية تُصرف على الحرب هي خصمٌ من ميزانية التنمية، وكل يوم توتر هو تأجيلٌ لمستقبلٍ أفضل.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس في كسب معركة، بل في كسب السلام. فالسلام هو المشروع الأكبر الذي تُبنى عليه كل المشاريع.
خلاصة القول
إن الدعوة إلى التهدئة، والتمسك بحسن الجوار، ورفض التهور، ليست ضعفًا ولا تراجعًا، بل هي تعبير عن وعيٍ عميق بطبيعة المرحلة وتعقيداتها. فالحرب، كما علمتنا التجارب، لا غالب فيها على المدى البعيد، بينما السلام—وإن بدا صعبًا—هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار والتنمية.
إن من لا يعرف الحرب قد يروّج لها، أما من خبر آثارها، فيدرك أن أعظم الانتصارات هي تلك التي تُجنب الأوطان ويلاتِها.

زر الذهاب إلى الأعلى