*محمد عبد الله ولد بين يكتب* : لماذا نترك حملة الإساءة والبذاءة تتواصل؟*

ليس السؤال ترفًا فكريًا، ولا هو مجرّد انفعال عابر أمام موجة من الخطاب المنحدر، بل هو تساؤل جوهري يمسّ صميم تماسك المجتمع وأمنه القيمي. حين تتحوّل الساحة العامة إلى فضاء مفتوح للسباب وهتك الأعراض، فإننا لا نكون أمام “حرية تعبير”، بل أمام انزلاق خطير يهدد قواعد العيش المشترك.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بحمايةٍ واضحة لا لبس فيها: حماية الدين، والنفس، والعِرض، والمال. وهي مقاصد عُدّت من المعلوم من الدين بالضرورة، لا يختلف عليها اثنان. فصيانة الأعراض ليست مسألة أخلاقية اختيارية، بل هي واجب شرعي، يُحاسب عليه الفرد كما تُحاسب عليه الجماعة إن سكتت أو تواطأت.
وفي السياق نفسه، لم يأتِ القانون الوضعي في موريتانيا إلا مكمّلًا لهذه الحماية، مؤطرًا لها بنصوص واضحة تجرّم القذف والتشهير وخطاب الكراهية. فالقانون، في جوهره، ليس سوى تعبير منظم عن الضمير الجمعي، وعن إرادة المجتمع في حماية نفسه من الفوضى اللفظية التي قد تتحول، إن تُركت، إلى عنف فعلي.
أما العرف الاجتماعي، فقد ظلّ عبر الأجيال حصنًا منيعًا يحفظ كرامة الناس، ويضبط حدود القول، ويُهذّب اللسان قبل أن تُهذّبه القوانين. لكن حين تتآكل هذه القيم، أو تُستباح باسم النضال أو المعارضة أو الحرية، فإن المجتمع كله يدفع الثمن.
من هذا المنطلق، يصبح من المشروع—بل من الواجب—التنبيه إلى خطورة ما يُبث من خطاب متدنٍ، لا يكتفي بالنقد السياسي المشروع، بل ينزلق إلى الإساءة الشخصية والبذاءة وهتك الأعراض، خطاب تؤطره نائبتان من حزب الصواب هما مريم جنك وقامو عاشور ، ويبدو أن برام الداه اعبيد يزكي هذا الخطاب ويثمنه تبنيا و تبجحا.
إن الاختلاف السياسي حق، والنقد ضرورة، لكن تحويله إلى منصة للسبّ والشتم هو إفساد للحياة العامة، لا إصلاح لها.
وفي قلب هذه الحملة، يبرز استهدافرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، ، بخطاب يتجاوز حدود النقد إلى المساس بالحرمات الشخصية. وهنا ينبغي التمييز بوضوح: الدفاع عن مقام الرئاسة ليس تملقًا، بل هو دفاع عن هيبة الدولة واستقرارها.
فإضعاف الرمزية المؤسسية عبر الإسفاف اللفظي لا يضرّ بشخص، بقدر ما يضرّ بصورة الدولة نفسها.
ولئن كان لرئيس الجمهورية من يدافع عنه سياسيًا وإعلاميًا، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على العدالة الوطنية. عدالةٌ لا تنتقي، ولا تتأخر، بل تضع حدًا لكل خطاب ينحدر إلى مستوى القذف والبذاءة، أيًّا كان مصدره. فسيادة القانون هي الضامن الوحيد لردع هذا الانفلات، وهي التي تمنح للمجتمع شعورًا بأن كرامته مصونة.
إن السكوت عن خطاب الكراهية ليس حيادًا، بل هو إسهام في تمدده.
والتهاون مع البذاءة ليس تسامحًا، بل هو تفريط في القيم. لذلك، فإن المرحلة تقتضي موقفًا واضحًا: حماية حرية التعبير في إطارها المسؤول، *ولجم كل انحراف يحوّلها إلى أداة للإساءة والتفكيك.*
في النهاية، لا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله بلغةٍ هابطة، ولا أن يحافظ على وحدته بخطابٍ مشحون بالكراهية.
فالكلمة مسؤولية، وإذا سقطت الكلمة، سقط معها الكثير.