*محمد عبد الله ولد بين* *يكتب :* *حين تنقلب المعايير: من تحريم القيم إلى تزييفها*

ليست خطورة التحولات الأخلاقية في المجتمعات كامنة في تغيّر السلوك وحده، بل في تغيّر تسمياته. ذلك أن السلوك المنحرف حين يُمارَس مع الشعور بالذنب، يظل قابلاً للمراجعة والتصحيح؛ أما حين يُعاد تعريفه ويُمنح أسماء براقة، فإنه يتحول من خطأ عابر إلى ثقافة راسخة. هنا تحديدًا تكتسب أبيات أحمد شوقي راهنيتها الصادمة، إذ لا تصف زمنًا مضى بقدر ما تشخّص حاضرًا يتكرر.
ما يلفت في هذه الأبيات ليس مجرد التنديد بالفساد، بل الكشف عن آلية أكثر عمقًا: إعادة هندسة اللغة لتبرير الانحراف. فالفتك يصبح “فنًا”، والخداع “سياسة”، والفساد “تمدنًا”. هذه ليست مجرد استعارات شعرية، بل توصيف دقيق لخطاب سياسي وإعلامي يعمد إلى تلطيف القبيح حتى يفقد الناس قدرتهم على التمييز.
في المجال السياسي، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح. لم يعد الكذب كذبًا، بل “مناورة” أو “تكتيكًا”. ولم يعد الفساد انحرافًا، بل “شبكة مصالح”. تُدار السلطة أحيانًا بمنطق براجماتيٍّ بارد يبرر كل وسيلة ما دامت الغاية “استقرارًا” أو “مصلحة وطنية”. وهكذا يُعاد تشكيل وعي الجماهير، لا بالقوة وحدها، بل باللغة التي تُخدِّر الحسّ النقدي وتُربك البوصلة الأخلاقية.
أما اجتماعيًا، فإن أخطر ما في الأمر هو انتقال هذا التزييف من النخب إلى العامة. حين يصبح الغنى السريع—بغض النظر عن مصدره—علامة نجاح، وحين يُكافأ الماكر ويُهمَّش الصادق، فإن المجتمع يدخل في حالة من التطبيع مع الانحراف. عندها لا يعود الفساد استثناءً، بل قاعدة، ولا يصبح الإصلاح مجرد مهمة صعبة، بل شبه مستحيلة، كما أشار شوقي: “فتعذّر التمييز والإصلاح”.
إن جوهر الأزمة، إذن، ليس أخلاقيًا فحسب، بل سياسي-لغوي أيضًا. فالمعركة الحقيقية تدور حول من يملك تعريف الأشياء: هل نسمي الفساد فسادًا، أم نُلبسه ثوب الحداثة؟ هل نصف الخداع باسمه، أم نمنحه شرعية السياسة؟ حين تُختطف اللغة، يُختطف معها الوعي.
غير أن هذا التشخيص لا ينبغي أن يقود إلى اليأس، بل إلى إعادة الاعتبار لوظيفة المثقف والإعلامي والسياسي النزيه: حراسة المعنى. فإعادة تسمية الأشياء بأسمائها ليست عملاً لغويًا بسيطًا، بل فعل مقاومة أخلاقي. والتمسك بالوضوح في زمن الالتباس هو أول خطوة نحو استعادة القدرة على الإصلاح.
لقد أدرك شوقي، بحدسه الشعري، أن انحراف القيم يبدأ من انحراف الألفاظ. وما نعيشه اليوم يؤكد أن المعركة لم تعد فقط بين الخير والشر، بل بين الحقيقة وتسمياتها الزائفة. وفي هذه المعركة، لا يكفي أن نرفض الفساد، بل يجب أن نفضح اللغة التي تُجمّله.