*محمد عبد الله ولد بين يكتب :*العالم على حافة الاشتعال…* *وموريتانيا أمام امتحان الوعي

لم يعد ما يجري في العالم مجرد توتر عابر يمكن احتواؤه ببيانات دبلوماسية باردة، بل نحن أمام لحظة تاريخية تتشكل فيها خرائط القوة من جديد. حرب الشرق الأوسط المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليست سوى رأس جبل الجليد، بينما تستعر في الخلفية حرب أوكرانيا التي لم تخمد، لتصنع معا مشهدًا دوليًا مضطربًا أقرب إلى حالة سيولة استراتيجية منها إلى نظام عالمي مستقر.
ما يحدث اليوم هو أخطر من حربين متزامنتين؛ إنه تصادم إرادات كبرى على مصادر الطاقة، وممرات التجارة، ونفوذ المستقبل. وعندما تشتعل هذه المناطق تحديدا، فإن أول ما يحترق ليس الجغرافيا فقط، بل أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وقدرة الشعوب الضعيفة على الصمود.
لقد دخل العالم فعليا مرحلة “اقتصاد القلق”.
أسعار الطاقة لم تعد مسألة سوق، بل أداة صراع.
والممرات البحرية لم تعد مجرد طرق تجارة، بل نقاط اختناق يمكن أن تخنق العالم كله.
في مثل هذا السياق، لا تحتاج الدول الهشة إلى صواريخ لتتأثر، بل يكفيها ارتفاع سعر لتر الوقود أو كيس الأرز حتى تبدأ الارتدادات الاجتماعية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
في موريتانيا، لا يعيش المواطن تفاصيل الحرب في نشرات الأخبار فقط، بل يترجمها فورا إلى سؤال بسيط ومخيف:
هل سترتفع الأسعار؟ هل ستنقطع المواد؟ هل نحن مستعدون؟
هذا القلق مفهوم، بل مشروع. لكن الخطر ليس في القلق ذاته، وإنما في تحوله إلى هلع جماعي يسبق الأزمة ويصنعها.
من هنا، يصبح دور الدولة حاسما، لا في إدارة الأرقام فحسب، بل في إدارة المزاج العام. فحين ترتبك الأسواق، يكون الخطاب الرسمي الواضح والمطمئن هو خط الدفاع الأول. وحين تتصاعد المخاطر، يصبح تأمين المخزون الغذائي والطاقوي ليس خيارا اقتصاديا، بل ضرورة سيادية.
غير أن الطمأنة وحدها لا تكفي إن لم تسندها أفعال ملموسة:
ترشيد فعلي لا استعراضي لاستهلاك الطاقة
مراقبة صارمة للأسعار
استعداد لأسوأ السيناريوهات لا الاكتفاء بالأفضل
العالم اليوم لا يسير نحو انفراج سريع، بل نحو مرحلة طويلة من عدم اليقين.
قد لا تتوسع الحرب، لكنها _ في تقديري _ لن تنتهي قريبا.
وقد لا ينهار الاقتصاد العالمي، لكنه سيتألم طويلًا.
وهنا يجب قول الحقيقة كما هي:
الدول التي لا تستعد للأزمات، ستدفع ثمنها مرتين: مرة عند وقوعها، ومرة عند سوء إدارتها.
موريتانيا ليست خارج هذا العالم، ولا بمنأى عن ارتداداته. لكنها تملك ما هو أهم من الموارد:
فرصة الاستباق بدل رد الفعل، وفرصة الوعي بدل الذعر.
إنها لحظة اختبار حقيقي:
اختبار لحكمة القرار السياسي
واختبار لثقة المواطن في دولته
واختبار لقدرتنا جميعًا على التمييز بين الخطر الحقيقي والخوف المبالغ فيه
في زمن الأزمات الكبرى، لا تنتصر الدول الأقوى فقط، بل أيضًا الأكثر وعيًا وانضباطًا.
أما السؤال الذي يفرض نفسه الآن فليس: إلى أين يتجه العالم؟
بل: هل نحن مستعدون لأي اتجاه قد يسلكه؟