*محمد عبد الله ولد بين يكتب :/”أنا والإخوان”سيرة وعيٍ في مواجهة التشويه العقدي والفكري..

لم تكن علاقتي بالإخوان مجرد اختلاف سياسي عابر، بل كانت تجربة مركّبة، امتدت عبر مراحل حياتي المختلفة، وطبعت وعيي بطابع خاص، بين الانجذاب الأول، ثم الصدمة، فالمراجعة، وصولًا إلى التحرر الفكري. إنها قصة وعي تشكّل تحت ضغط الخطاب، واختُبر في ساحات التعليم والعمل والحياة الخاصة.
أولًا: المراهقة السياسية… حين تختلط العاطفة بالفكرة
لا أخفي أني عشت، كغيري من أبناء جيلي، مرحلة مراهقة سياسية، كانت فيها العاطفة أقوى من الفهم، والانتماء أسبق من الإدراك. انجذبتُ إلى الخطاب القومي الناصري، لا لعمق استيعابي لمبادئه الكبرى — الحرية، العدالة الاجتماعية، الوحدة العربية — بل لسحر رمزيته، وجاذبية شخصية جمال عبد الناصر التي أسرت وجدان الشباب العربي آنذاك.
في تلك المرحلة، لم يكن الصراع الفكري ناضجًا بقدر ما كان انقسامًا حادًا بين تيارات تتنازع عقول الناشئة، داخل مؤسسات تعليمية كإعدادية بوكي، حيث كان الأساتذة أنفسهم موزعين بين الحركة الوطنية الديمقراطية والقوميين العرب. وهناك، بدأ التشكّل الأول لوعيي، وإن كان على أرضية هشّة.
ثانيًا: مدرسة المعلمين… بداية الصدمة
مع دخولي مدرسة المعلمين (1977–1978)، بدأت أولى احتكاكاتي الجدية بالصراع الفكري المنظم. وهنا كانت الصدمة الكبرى: لم يكن الخلاف مع الإخوان مجرد اختلاف في الرؤية، بل تحوّل إلى حكم قاسٍ على العقيدة.
اتهمني بعضهم بالكفر، فقط لأنني أنتمي إلى التيار القومي الناصري. لم يكن النقاش علميًا، ولا الخلاف مؤسسًا على حجة، بل كان خطابًا إقصائيًا، يوظف الدين لتصفية الخصوم الفكريين. آنذاك، كنت لا أزال في طور التكوين، فاستقبلت هذا الهجوم بارتباك، وبدأت أخلط بين الدين كما هو، وبين ما يُقدَّم باسمه من تأويلات مشحونة بالصراع.
ثالثًا: المدرسة العليا للتعليم… ذروة الاستهداف
إذا كانت مدرسة المعلمين بداية الصدمة، فإن المدرسة العليا للتعليم كانت ذروة الاستهداف. هنا اشتد الهجوم، واتخذ طابعًا أكثر تنظيمًا وخطورة. لم يعد الأمر مجرد آراء متناثرة، بل أصبح خطابًا ممنهجًا يسعى إلى العزل والتشويه.
في هذه المرحلة، بدأت أدرك أن ما يُطرح ليس “حكمًا شرعيًا” بقدر ما هو توظيف للدين في معركة النفوذ. أدركت أن التكفير لم يكن تعبيرًا عن غيرة دينية صادقة، بل وسيلة للهيمنة على العقول، خاصة في مجتمع بسيط، متدين بطبعه، وسريع التأثر بكل ما يُنسب إلى الدين.
لقد كان ذلك، في جوهره، إرهابًا فكريًا ناعمًا، يستغل عاطفة الناس، ويختزل الدين في رؤية تنظيمية ضيقة، تحتكر الحقيقة، وتقصي كل من يخالفها.
رابعًا: الاستحقاقات المهنية… حين يمتد الصراع إلى المصير
لم يتوقف أثر هذا الخطاب عند حدود الدراسة، بل امتد إلى حياتي المهنية، خاصة في لحظات التعيين والترقية. هنا، لم يعد الصراع فكريًا فحسب، بل أصبح له تأثير مباشر على المسار الوظيفي.
كان الانتماء أو عدمه يُقرأ أحيانًا كمعيار، وتتحول المواقف الفكرية إلى أدوات للتصنيف والإقصاء. شعرت حينها أن المعركة لم تعد حول فكرة، بل حول فرص، ومواقع، ومستقبل. وهذا أخطر ما في تسييس الدين: حين يتحول من مرجعية أخلاقية جامعة إلى أداة فرز مهني واجتماعي.
خامسًا: الحياة الخاصة… حين يُستهدف الإنسان في بيته
الأقسى من ذلك كله، هو امتداد هذا التشويه إلى الحياة الخاصة. لم يعد الأمر يقتصر على الطالب أو الموظف، بل طال الإنسان في أسرته ومحيطه الاجتماعي.
حين يُوصم الإنسان في عقيدته، فإن ذلك لا يبقى شأنًا فكريًا، بل يتحول إلى عبء نفسي واجتماعي، يلاحقه في علاقاته، ويؤثر على صورته داخل مجتمعه. وهنا تتجلى خطورة الخطاب التكفيري: إنه لا يقتل الفكرة فقط، بل يرهق الإنسان في إنسانيته.
سادسًا: المراجعة والتحرر… استعادة الوعي
مع مرور الوقت، وتراكم التجربة، بدأت أُعيد قراءة ما حدث. أدركت أن الخلط بين الدين وخطاب الجماعات هو أصل الإشكال، وأن احتكار الحقيقة هو مدخل كل انحراف.
فهمت أن المقاصد الشرعية لا تُختزل في شعارات، ولا تُوظف لتصفية الحسابات، بل هي منظومة قيمية واسعة، أساسها الرحمة والعدل والحرية. كما أدركت أن التيارات الفكرية، مهما اختلفت، لا تُواجَه بالتكفير، بل بالحوار والنقد العلمي.
لقد تحررت، لا من فكرة بعينها، بل من طريقة في التفكير، كانت ترى العالم بلون واحد، وتختزل الحقيقة في تنظيم أو تيار.
خاتمة: بين التجربة والدروس
إن تجربتي مع الإخوان ليست دعوة للخصومة، بقدر ما هي شهادة على مرحلة، ودعوة للمراجعة. فالمجتمعات التي تُسيّس الدين، وتُؤدلج العقيدة، تدفع ثمنًا باهظًا من وحدتها واستقرارها.
الدين أسمى من أن يكون أداة صراع، وأوسع من أن يُحتكر، وأعدل من أن يُوظف ضد الناس. وما أحوجنا اليوم إلى خطاب يعيد للدين نقاءه، وللفكر حريته، وللإنسان كرامته.
تلك هي قصتي… بين مراهقة العاطفة، وصدمة التكفير، ونضج الوعي.
وهذه بداية إرهاصات كتابة مذكراتي !
ارجو أن أوفق في هذا المسار المليء بالمغارات والمطبات. لكن ميزته الكبرى ستكون الصراحة والشفافية.